أحمد بن علي القلقشندي

449

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الوحشيّة وكلاب الصّيد ، فيكمنون عند أمناء النّصّاح في كهوف الجبال وبطون الأودية ، ويرتقبون يوما تكون ريحه عاصفة وهواؤه زعزع ، تعلَّق النار موثقة في أذناب تلك الثعالب والكلاب ، ثم تطلق الثّعالب ، والكلاب في أثرها وقد جوّعت ، لتجدّ الثعالب في العدو ، والكلاب في الطَّلب ، فتحرق ما مرّت به من الزّرع والنّبات ، وتعلق الريح النار منه فيما جاوره ، مع ما يلقيه الرّجّالة بأيديهم في اللَّيالي المظلمة ، وعشاء الأيام المعتمة . وكان ينفق في نظير هذا الإحراق من خزانة دمشق جمل من الأموال . قال : وكان الاهتمام بذلك في أوّل الأمر قبل أن يفطنوا بقصد التّحريق ، ثم نبّههم على ذلك أهل المداجاة ، فصاروا يربطون عليها الطَّرق ، ويمسكون منها بالأطراف ؛ وقتل عديد من الرجال بسببها ، وأحرقوهم بأشدّ من نارها . وذكر أنّ مما كان يجتنب تحريقه - أرض الجبال ( 1 ) ، من حيث إنها بلاد بقيّة السّلف الصالح من ذرّيّة شيخ الإسلام الإمام الكبير العارف باللَّه « عبد القادر الجيليّ » المعروف بالكيلانيّ ، نفع اللَّه تعالى ببركاته ، لتعظيمهم من الجهتين ، مع ما لهم عند ملوكنا من المكانة العليّة : لقديم سلفهم ، وصميم شرفهم ، ولما للإسلام وأهله من إسعافهم بما تصل إليه القدرة ويبلغه الإمكان . قلت : وبتمام القول في هذا الطَّرف قد تمّ ما كنت أحاوله من التأليف ، وأهتمّ به من الجمع ؛ وباللَّه التّوفيق ، وإليه الرغبة ؛ وهو حسبي ونعم الوكيل . واعلم أن المصنّفات تتفاوت في الحظوظ إقبالا وإدبارا : فمن مرغوب

--> ( 1 ) أرض الجبال : اسم أطلقه العرب على العراق العجمي ، وهو ميديا القديمة . وهو بالتحديد الولاية التي يحدها شرقا صحراء خراسان وفارس ، وغربا أذربيجان ، وشمالا جبال ألبرز ، وجنوبا خوزستان . ( دائرة المعارف الإسلامية : 11 / 40 ) .