أحمد بن علي القلقشندي

4

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

هدونا إذا سكن ، ومنه قولهم : « هدنة على دخن » . أي سكون على غلّ ( 1 ) ، أو تكون قد سميت بذلك لما يوجد من تأخير الحرب بسببها . ويرادفها ألفاظ أخرى : أحدها - الموادعة ، ومعناها المصالحة أيضا ، أخذا من قولهم : عليك بالمودوع : يريدون بالسّكينة والوقار ، فتكون راجعة إلى معنى السّكون . وإما أخذا من توديع الثّوب ونحوه : وهو جعله في صوان يصونه ، لأنه بها تحصل الصيّانة عن القتال . وإما أخذا من الدّعة : وهي الخفض والهناء ، لأن بسببها تحصل الراحة من تعب الحرب وكلفه . الثاني - المسالمة ومعناها ظاهر : لأن بوقوعها يسلم كلّ من أهل الجانبين من الآخر . الثالث - المقاضاة ، ومعناها [ المحاكمة مفاعلة من القضاء بمعنى الفصل والحكم ] ( 2 ) . الرابع - المواصفة ، سمّيت بذلك لأن الكاتب يصف ما وقع عليه الصّلح من الجانبين . على أن الكتّاب يخصّون لفظ المواصفة بما إذا كانت المهادنة من الجانبين ، ولا شكّ أن ذلك جار في لفظ الموادعة والمسالمة والمقاضاة أيضا : لأن المفاعلة لا تكون إلا بين اثنين إلا في ألفاظ قليلة محفوظة ، على ما هو مقرّر في علم العربية . أما لفظ الهدنة فإنّه يصدق أن يكون من جانب واحد ، بأن يعقد الأعلى الهدنة لمن هو دونه . على أنها عند التّحقيق ترجع إلى معنى المفاعلة ، إذ لا تتصوّر إلا من آثنين .

--> ( 1 ) في الحديث : « هدنة على . دخن وجماعة على أقذاء » . وفي اللسان : أي سكون لعلَّة لا للصلح . وعن ابن الأثير : شبهها بدخان الحطب الرطب لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر . ( 2 ) بيّض لها بالأصل . والزيادة من الطبعة الأميرية .