أحمد بن علي القلقشندي

396

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحمد للَّه جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنه لا يخلف الميعاد ، وناصر الدّين المحمّديّ بنبيّنا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وعلى آله الكرام الأمجاد ، ومشرّف هذه الأمّة بالأئمّة والجمعة والجماعات من أهل الرّشاد ، وجاعل من ارتضاه من أرباب سنّة نبيّه المختار من عباده العبّاد ، وميسّر القربات إليه لأهل السّداد ، ومريد الأعمال الصالحات ممّن أخلصه بالطاعات ومزيد الإرفاد ، ومفضّل الأوقاف على أفضل وجوه البرّ من جعله للخير أهلا بالنّفع المتعدّي وكثرة الأمداد ، ومعظَّم الأجر لمن بنى بيتا للَّه بنيّة خليّة من الرّياء والعناد ؛ وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « من بنى مسجدا للَّه ولو كمفحص ( 1 ) قطاة بنى اللَّه تعالى له به قصرا في الجنّة » ونرجو من كرم اللَّه الازدياد . أحمده على موادّ نعمه التي جلَّت عن التّعداد ، وأشكره شكرا وافيا وافرا نجعله ذخيرة ليوم التّناد ، وأستمدّ من اللَّطف لوازم الفضل الخفيّ وهو الكريم الجواد ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله الخاتم الحائم على حوضه الورّاد ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه ما أصغي إلى الذّكر وأجيب كلّ داع من حاضر أو باد . وبعد ، فلمّا كانت المثوبات مضمونة الأجر عند الكريم ، والأعمال متعدّدة في التّقديم ، وكان بنيان المساجد وافرا أجرا ، لمن أقام بواجب تبيان الظَّنّ الجميل وسدّد إلى الخيرات سيرا ؛ وقد قال تعالى : « أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا » ( 2 ) ، ورأى العقلاء أنّ الأوقاف على المساجد والجوامع من أنفس قواعد الدّين وأعلى - فلذلك قيل في هذا الإسجال المبارك : هذا ما وقفه وحبّسه ، وسبّله وأبّده فلان . وقف وحبّس رغبة في مزيد الثّواب ، ورجاء في تهوّن تهويل يوم الحساب ، واغتناما للأجر الجزيل من

--> ( 1 ) المفحص والأفحوص : حفرة تحفرها القطاة أو الدجاجة في الأرض لتبيض وترقد فيها . ( 2 ) خديث قدسيّ .