أحمد بن علي القلقشندي
394
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فياقوت ومرجان ، أو نثرت تبرا فثمين الدّرّ ألوان ؛ ما برح الفضلاء إلى لقائه يسارعون ، وحقّ لهم أن يسارعوا ومن أبواب معروفه يقتبسون ؛ وكيف لا ؟ وهو الشّهاب السّاطع ، والجليل الذي لم نزل نشير إليه بالأصابع ، والنّيل الذي تجري لفراقه من عيون اللَّبيب المدامع ، والنّزيل الذي ينشده العارف عند وداعه : بعيشك خبّرني متى أنت راجع يعرف المحسن إحسانه فينشر له من الثّناء لواء ، ويجمل في مدح صفاته ونعوته الإنشاء إن شاء ، ويجزل في ذمّ مستحقّ الذّمّ منه الهجاء ، فأكرم به مدّاحا وأعظم به هجّاء : العلماء لحضوره يترقّبون ، وإليه يتقرّبون ، والفضلاء بفضله يعترفون ، ومن بحره يغترفون ، والأدباء إليه يستبقون ، ومنه يقتبسون ، والطَّلبة بأذيال فضله يتمسّكون ، وبنشر أثنيته يتمسّكون ، وإخوانه في اللَّه بوجوده يفتخرون ، وإلى جوده يفتقرون ؛ كلَّما عرضت لهم حاجة تمسكوا بإيثاره ، وكلَّما عاندهم الدّهر سألوه الإمداد بأنصاره ، فيجوّد في خدمتهم بيان بنانه ، ويجرّد في نصرتهم سيف لسانه . ثم من قبل أن نبلغ منه الوطر ، ومن دون أن يكتفي منه السّمع والبصر ، عرفنا أنه قصد التّوجّه إلى البلاد الساحليّة ، والأعمال الطَّرابلسيّة ؛ ليملي على أهلها من فضائله الباهرة الباسقة ، وألفاظه التي هي كالدّرر المتناسقة ، ويجليهم عرائس الأفكار من أفكاره ، ويجنيهم غرائس الأثمار من أشجار علمه ، ويريهم البديهة البديعة ، والقوافي المجيبة المطيعة . فليتقدّم الجماعة - أيدهم اللَّه تعالى - بإكرامه إكرام الأهل والأصحاب ، وتلقّيه بالبشر والطَّلاقة والتّرحاب ، وإحلاله من الإحسان محلَّا ساميا ، وإنزاله من الإفضال منزلا عاليا ، والاعتناء الوافر بأمره ، واستجلاب بثّ حمده وشكره ، والتقاط درر فوائده ، واكتساب غرر فرائده ، والإصغاء