أحمد بن علي القلقشندي
382
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الممطور ، أو اعتبر تحرير وزنها فاق الذّهب تحريرا ، أو قوبلت قوافيها بغيرها زكت توفيرا وسمت توقيرا ، أو تغزّلت أسكتت الورق في الأغصان ، أو امتدحت قفت إثر « كعب » وسلكت سبيل « حسّان » ؛ فإطنابها - لفصاحتها - لا يعدّ إطنابا ، وإيجازها - لبلاغتها - يمدّ على المعاني من حسن السّبك أطنابا : أبن لي مغزاها أخا الفهم إنّها إلى الفضل تعزى أو إلى المجد تنسب ؟ هذا وبراعة مطلعها تحثّ على سماع باقيها شغفا ، وبديع مخلصها يسترق الأسماع لطافة ويسترقّ القلوب كلفا ، وحسن اختتامها تكاد النّفوس لحلاوة مقطعه تذوب عليها أسفا : لها من براهين البيان شواهد إذ الفضل ورد والمعالي موارد ! وبالجملة فمآثرها الجميلة لا تحصى ، وجمائلها المأثورة لا تعدّ ولا تستقصى ؛ فكأنّما « قسّ بن ساعدة » يأتمّ بفصاحتها ، و « ابن المقفّع » يهتدي بهديها ويروي عن بلاغتها ، « وامرؤ القيس » يقتبس من صنعة شعرها ، و « الأعشى » يستضيء بطلعة بدرها ؛ فلو رآها « جرير » لرأى أنّ نظمه جريرة اقترفها ، أو سمعها « الفرزدق » لعرف فضلها وتحقق شرفها ، أو بصربها « حبيب بن أوس » لأحبّ أن يكون من رواتها ، أو اطَّلع عليها « المتنبّي » لتحيّر بين جميل ذاتها وحسن أدواتها : فللبصائر هاد من فضائلها يهدي أولي الفضل إن ضلَّوا وإن حاروا ولا نطيل فمبلغ القول فيها أنّ آيتها المحكمة ناسخة لما قبلها ، وبرهانها القاطع قاض بأن لا تسمح قريحة أن تنسج على منوالها ولا يطمع شاعر أن يسلك سبلها : وآيتها الكبرى التي دلّ فضلها على أنّ من لم يشهد الفضل جاحد !