أحمد بن علي القلقشندي

333

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أقلع يرتاد مرتعا ، فوجد ولكن مصرعا ، وأسفّ يبتغي ماء جمّا فوجد ولكن السّمّ منقعا ، وحلَّق في الفضاء يبغي ملعبا فبات هو وأشياعه سجّدا لمحاريب القسيّ وركَّعا ؛ فتبرّكنا بذلك الوجه الجميل ، وتداركنا أوائل ذلك القبيل . فاستقبل أوّلنا تمام بدره ، وعظم في نوعه وقدره ؛ كأنه برق كرع في غسق ، أو صبح عطف على بقيّة الدّجى عطف النّسق ؛ تحسبه في أسداف المنى غرّة نجح ، وتخاله تحت أذيال الدّجى طرّة صبح ؛ عليه من البياض حلَّة وقار ، وله كدهن ( 1 ) عنبر فوق منقار من قار ؛ له عنق ظليم ، والتفاتة ريم ، وسرى غيم يصرّفه نسيم : كلون المشيب ، وعصر الشّباب ووقت الوصال ، ويوم الظَّفر ! كأنّ الدّجى غار من لونه فأمسك منقاره ثم فرّ ! فأرسل إليه عن الهلال نجما ، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما ؛ فاستبشر بنجاحه ، وكبّر ( 2 ) عند صياحه ، وحصّله ( 3 ) من وسط الماء بجناحه . وتلاه كيّ نقيّ اللَّباس ، مشتعل شيب الرّاس ، كأنّه في عرانين شيبه لا وبله كبير أناس ؛ إن أسفّ في طيرانه فغمام ، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النّسيم زمام ؛ ذو عيبة كالجراب ، ومنقار كالحراب ، ولون يغرّ في الدّجى كالنّجم ويخدع في الضّحى كالسّراب ؛ ظاهر الهرم ، كأنما يخبر عن عاد ويحدّث عن إرم : إن عام في زرق الغدير حسبته مبيضّ غيم في أديم سماء أو طار في أفق السّماء ظننته في الجوّ شيخا عائما في ماء متناقض الأوصاف فيه خفّة الجهّال تحت رزانة العلماء !

--> ( 1 ) في حسن التوسّل : « وله كرة من عنبر » . ( 2 ) في حسن التوسل : « وكمد » . ( 3 ) في حسن التوسل : « وحمله » .