أحمد بن علي القلقشندي
330
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إذا لاح بازي الصّبح ولَّت يؤمّها إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم ! إلى حدائق ملتفّة ، وجداول محتفّة ؛ إذا خمش النّسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب ، وإذا فرك مرّ المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب ، ورقصت في المناهل رقص الحباب ؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق ، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق ؛ فنسيمها وان ، وشميمها لعرف الجنان عنوان ، ووردها من سهر نرجسها غيران : وطلَّها في خدود الورد منبعث طورا وفي طرر الرّيحان حيران ! وطائرها غرد ، وماؤها مطَّرد ؛ وغصنها تارة يعطفه النّسيم إليه فينعطف ، وتارة [ يعتدل ] ( 1 ) تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف ؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين التّرتيب ، إذ كلَّما اعتلّ النّسيم صحّ الأرج وكلَّما خرّ الماء شمخ القضيب : فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت أعطافها ريح ( 2 ) الصّبا أحباب : فلها إذا افترقت من استعطافها صلح ومن سجع الحمام عتاب وكأنّها حول العيون موائسا شرب وهاتيك المياه شراب ! فغديرها كأس وعذب نطافها راح وأضواء النّجوم حباب ! يحيط بملق نطاقها صاف ، وظلال دوحها ضاف ، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد وفي رأي العين طاف ؛ إذا دغدغها النّسيم حسبت ماءها بتمايل الظَّلال فيه يتبرّج ويميل ؛ وإذا طَّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون تارة تتموّج وتارة تسيل : فكأنه محبّ هام بالغصون هوى فمثّلها في قلبه ، وكأنّ النسيم كلف بها غار من دنوّها إليه فميلها عن قربه :
--> ( 1 ) في الطبعة الأميرية : « يعلَّل » . وما أثبتناه من حسن التوسل . ( 2 ) في حسن التوسّل : « رسل » .