أحمد بن علي القلقشندي

323

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وما أطيب الاقتناص بعد الشّرود ، وكيف يرى موقع الوصل بعد الصّدود : وزادني رغبة في الحبّ أن منعت أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا ! تقضي رياضات النّفوس السامية بمعاطاة كاسه ، ومصافاة ناسه ، لما فيهم من الفتوّة ، وكمال المروّة ، وصدق اللسان ، وثبات الجنان ، وطيب الأخلاق ، وحفظ الميثاق ؛ لا يعرفون غير الصّدق وإن كانوا يميلون إلى الملق ، ولا يبغون بصاحبهم بديلا يعطفون عليه عطف النّسق ؛ لا سيّما تعاطي صيد طيور الواجب ، الذي سنّة الأكابر وجعلوا أمره من الواجب ، وتشرّفت به هممهم العالية : تارة إلى السّماء ، وآونة إلى مشارع الماء . لا يتمّ سرورهم إلا برؤية تمّ كبدر التّمام ، ومصباح الظَّلام ؛ يفرّ من ظلَّه فرارا ، ويريك بياض لونه وسواد منقاره شيبا ووقارا ؛ ولا يداوي هموم لغبهم مثل كيّ ، لأجنحته الخوافق في الخافقين نشر وطيّ ، ولا تبتهج نفوسهم النّفيسة إلا بإوزّة ، يزدري دلالها بالكاعب المعتزّة ، ولا يطرب أسماعهم غير لغات اللَّغلغة ، حين تمتدّ كأنها مدامة في الزّجاجة مفرغة ، ولا يؤنسهم إلا الأنيسة الأنيسة ، والدّرّة النّفيسة ، ولا يذهب حرجهم غير الحبرج الصّادح ، المستوقف بحسنه كلّ غاد ورائح ؛ تكاد قلوبهم تطير بالفرح عند رؤية النّسر الطائر ، وتجبر خواطرهم بكسر ذلك الكاسر ؛ إذا عاينوا عقبانا أعقبهم الفرح ، ونزح عنهم التّرح ، وإن كرّ كركيّ فرّ عنهم البوس ، ورأوا على رأسه ذلك التّاج الذي لم يعل مثله على الرّؤوس ؛ وإن عرض غرنوق غرقوا في بحار أفكارهم ، وجدّوا إلى أن يقع بمجدول أوتارهم ، وإن لاح ضوع كالذّهب المصوغ ، ألقوه في الحبال وهو بدمه مصبوغ ، وإن مرّ مرزم كالخودة الحسناء ، ضربوا له الآلة الحدباء ، وإن مرّ السّبيطر أجنحته كالسّحائب ، جاءته المرامي من كلّ جانب ، وإن عنّ عنز عمدوا إليه ، حتّى يسقط في يديه ؛ قد تعالوا في رتبها ، وتغالوا في وصف وشيها ، وجعلوا كلّ آلة