أحمد بن علي القلقشندي
305
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جمع في صعوده إلى الجبال بين الحادي والملَّاح ، ودخل النّاس إلى أسواق مصر وخصوصا سوق الرّقيق على كلّ جارية ذات ألواح ، وغدا التّيّار ينساب في كلّ يمّ كالأيم ، وأصحبت هضاب الموج في سماء البحر وكأنّما هي قطع الغيم ، واستحالت الأفلاك فكلّ برج مائيّ ، وتغيّرت الألوان فكلّ ما في الأرض سمائيّ ، وحكى ماؤه حكاكة الصّندل لمّا مسّه شيطان الرّيح فتخبّط ، وزاد فاستحال نفعه فتحقّق ما ينسب إلى الصّندل من الاستحالة إذا أفرط ؛ فلقد حكت أمواجه ودوائره الأعكان ( 1 ) والسّرر ، وغدا كلّ حيّ ميّتا من زيادته لا كما قال المعرّي : حيّا من بني مطر ( 2 ) ؛ وتحالى إلى أن أقرف اللَّيمون الأخضر ، واحمرّت عينه على الناس فأذاقهم الموت الأحمر ؛ ولقد صعب سلوكه وكيف لا ؟ وهو البحر المديد ، وأصبح كلّ جدول منه جعفرا ( 3 ) ويزيد : فلست أرى إلا إفاضة شاخص إليه بعين أو مشيرا بأصبع ! فلكم قال الهرم للسّارين يا سارية الجبل ، وأنشد وقد شمّر ساقه للخوض : أنا الغريق فما خوفي من البلل ؟ وكم قال أبو الهول : لا هول إلا هول هذا البحر ، وقال المسافرون : ما رأينا مثل هذا النّيل من هنا إلى ما وراء النّهر ، وقال المؤرّخون : لم ننقل كهذه الزيادة من عهد النّهروان وإلى هذا الدّهر . وكيف يسوغ لمولانا في هذه الأيام غير ارتشاف فم الخمور ؟ ولم لا يغيّر مذهبه ويطيّب على هذه الخلج بالسّلسل والدّور ؟ ؛ وكيف وكيف ؟ ! ! ،
--> ( 1 ) جمع عكنة ، وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا . ( 2 ) يشير إلى البيت الثاني من قصيدة أبي العلاء المعري : يا ساهر البرق أيقظ راقد السّمر لعلّ بالجزع أعوانا على السّهر وإن بخلت عن الأحياء كلَّهم فاسق المواطر حيّا من بني مطر ( شروح سقط الزند : 1 / 114 - 115 ) . ( 3 ) الجعفر : النهر .