أحمد بن علي القلقشندي

300

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أنفس الأغنياء الشّح ، وودّوا أن لا تنشأ مزنة ولا تسحّ ، وتوهّم خازن البرّ ، أنّ صاعه يعدل صاع الدّرّ ، وخفّت الأزواد ، وماجت الأرض والتقت الرّواد ، وانتزعت العازب القصيّ ، فألقت العصيّ ، وصدرت بحسراتها ، وقد أسلمت حزراتها ، وأصبحت كلّ قنّة فدعاء ( 1 ) ، وهضبة درعاء ، ( صفاه وها ونقبا وها ) ( 2 ) ؛ والصّبح في كل أفق قطر أو قطع ، والأرض كلَّها سيف ونطع ، والشّعر يشمر ذيله للنّفاق ، ويضمّر خيله للسّباق ؛ وجاء الجدّ وراح الهزل ، وقلنا : هذه الشّدّة هذا الأزل ؛ وللمرجفين في المدينة عجاجة ظنّوها لا تلبد ، وقسيّ نحو الغيوب تعطف وتلبّد ؛ فما يسقط السّائل منهم إلا على ناب يحرق ، وشهاب يبرق ؛ حتّى إذا عقدوا الأيمان ، وأخذوا بزعمهم الأمان ، وقالوا : لا يطمع في الغيث ، وزحل في اللَّيث ، فإذا فارق الأسد ، لكدّ ما أفسد ( 3 ) : تخرّصا وأحاديثا ملفّقة ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب ! أنشأ اللَّه العنان ( 4 ) ، وقال له : كن فكان ؛ فبينما النّجوم دراريّها الأعلام ، وأغفالها التي لا تحمد عندهم ولا تلام ؛ قد اختلط مرعاها بالهمل ، ولم تدر السدّة بالحمل ؛ ولا علم الجدي بالرّئبال ، ولا أحسّ الثّور بالرّامي ذي الشّمال ؛ إذ غشيتها ظلل الغمام ، وحجبتها أستار كأجنحة الحمام ، وأخذت عليها في الطَّروق ، مصادر الغروب والشّروق ؛ فما منها إلا مقنّع بنصيف ، أو مزمّل في نجاد خصيف ؛ لم تترك له عين تطرف ، ولا ثقبة يطلع منها أو يشرف ؛ فباتت بين دور متداركة السّقوط ، ودرر متناثرة السّموط ، وديم منحلَّة الخيوط ، وجيوش منصورة الأعلام ، ثابتة الأقدام ، وكتائب

--> ( 1 ) الفدع : عوج في المفاصل . ( 2 ) كذا في الأصل . وفي الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولم نتمكن من تثقيفها . ( 3 ) أي لشدّ ما أفسد . ( 4 ) العنان : السحاب ، وما يبدو لك من السماء إذا نظرت إليها .