أحمد بن علي القلقشندي
295
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اضطمارا ، وهمّته تتسعّر نارا ؛ برجلين تسبق في الحضر يديه ، وتقدّ بأظفارها أذنيه ، وذنب كالرّداء المسبل يجرّه اختيالا ومرحا ، ويتيه عجبا وفرحا ، إن انساب قلت : انساب أفعوان ، أو صال قلت : أسد خفّان ( 1 ) ، أو وثب سبق الوهم في انحطاطه ، أو طلب أدرك البرق من نشاطه ، أو طلب فات الطَّرف في انخراطه ؛ أنعم مسّا من أرنب ، وأزهى من ثعلب ، قد كساه الظَّلام خلعته ، وقبّل الصّباح طلعته ؛ حاز من القندس ( 2 ) صقاله وبهجته ، ومن الفنك لينه ونعمته ؛ ألبس رداء الشّباب ، ونزّه عن تزوير الخضاب ؛ إن اختلس فما تأبّط شرّا ، أو خاتل أزرى بالشّنفرى مكرا ؛ أحدّ نفسا من عمرو بن معدي ، لا يصلد قادح زناد بطشه ولا يكدي ؛ أنزق من أبي عبّاد ، وأصول من عنترة بن شدّاد ؛ أفتك من الحارث بن ظالم ، وأنهر فصدا للدّم من حاتم ، لا يلين ولا يشكو إلى ذي تصميت ، « كأنّه كوكب في إثر عفريت » ؛ يكاد عند المخاتلة في انسيابه ، يفوت الخاطر أو يخرج من إهابه ، إن قارن طيرا أباحه منسرا كمنسر الأسد ، أغلب فيه شغا ( 3 ) كأنّه عقد ثمانين في العدد ، فينشده : ألا عم صباحا أيّها الطَّلل البالي ، فلا يحسّ له بعين ولا أثر سجيس ( 4 ) اللَّيالي ؛ فكأنّ قلوبها رطبا ويابسا لدى وكره العنّاب والحشف البالي ( 5 ) ؛ اعتاد قنص السانح والبارح ( 6 ) ، فما فات ورد المنيّة منه غاد ولا رائح ؛ طويل القرا مدمج
--> ( 1 ) خفّان : موضع ، وهي مأسدة بين الثّني وعذيب ، قرب الكوفة . ( لسان العرب : مادة خفن - ومعجم البلدان : 2 / 379 ) . ( 2 ) القندس : حيوان قارض ، كث الفراء له ذنب قوي مفلطح وغشاء بين أصابع رجليه يستعين به على السباحة . والفنك : نوع من الثعالب فروته أجود أنواع الفراء . ( 3 ) الأغلب : ذو العنق الطويل ؛ والأسد . وفيه شغا : أي فيه اعوجاج . ( 4 ) يقال : لا أفعله سجيس الليالي أي لا أفعله أبدا . ( 5 ) حلّ بيت امريء القيس . كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالي ( انظر كتاب الصناعتين : 251 ) . ( 6 ) راجع ص 288 حاشية ( 4 ) .