أحمد بن علي القلقشندي
290
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأنّ سبيل كلّ أحد منها سبيل ذي الأعواد ( 1 ) ، وقصاراي ولو اتخذت الأرض مسكنا وأهلها خولا سبيل ربّ القصر من سنداد ( 2 ) ، ولو عمّرت عمر نوح كنت كأنّي وآدم وقت الوفاة على ميعاد ؛ فإن شئت فارفع عصا التّسيار أوضع ؛ فما هو إلَّا : « حارب بجدّ أودع » . فبينا أنا أعوم في هذه الخواطر متفكَّرا ، وأقرع سنّ النّدم على تقضّي عمري في غير مآربي متحسّرا ، وأتسلَّى بمصارع الأوّلين أخرى معتبرا : ولو أنجزتني الأيام مواعيد عرقوب ، لأفضت بي إلى أحلى من ميراث العمّة الرّقوب ، ولقد تقاعس أملي حتى قنعت بحالي « وشرّ ما ألجأك ( 3 ) إلى مخّة عرقوب » ثم يخاطبني حجاي بأن تثبّت واصبر ، فالليل طويل وأنت مقمر ، فستبلغ بك الأسباب ، وينتهي بك إلى المقدور الكتاب ؛ فلا تعجل « فجري المذكيات غلاب » ( 4 ) . فاستروحت إلى فتح باب كان مرتجا ، وارتدت باستجلاء محيّا السماء من بعض همّي فرجا ، وانتشقت من نسيم السّحر ما وجدت به من ضيق فكري مخرجا ، ففتحته عن شبّاك كتخطيط الأوفاق ، أو كرقعة شطرنج وضعت بين الرّفاق ؛ ألبس من صبغة اللَّيل شعارا ، واتّخذ لاستجلاء وجه الغزالة نهارا ؛ جلد على القيام والكدّ ، صبور على الحالين في الحرّ والبرد ؛ يحوّل
--> ( 1 ) من قول الأسود بن يعفر : ولقد علمت سوى الذي نبّأتني أن السبيل سبيل ذي الأعواد ذو الأعواد هو الموت . وعنى بالأعواد ما يحمل عليه الميت . ( لسان العرب : مادة عود ) . ( 2 ) قال في اللسان : سنداد اسم نهر . ومنه قول الأسود بن يعفر : والقصر ذي الشرفات من سنداد ( 3 ) في جمهرة الأمثال والميداني والمستقصى : « أجاءك » . ويضرب مثلا لكل مضطر إلى ما لا خير فيه . والعرقوب لا مخّ فيه . وألجأه إلى كذا وأجاءه بمعنى واحد . وفي القرآن الكريم : « فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة » - مريم / 23 . ( 4 ) المراد من المثل أن المسانّ ( جمع مسنّ ) تؤخذ بالمغالبة والقوة ، وأن الصغار تدارى ولا تحمل على غلظ ومشقّة . ( جمهرة الأمثال : 1 / 299 ) .