أحمد بن علي القلقشندي
283
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فإذا نشط هذا الكاتب من هذا العقال ، وتصرّف في فنون هذا المقال ، وخرج من هذه الأسئلة خروج السّيف من الصّقال ، امتدّت كفّ الثّريّا في هذا النّسيان بمسح جبهته ، وجاء بجواب هذا النكث كما يقال : برمّته ، وأماط لثامها ، وشمّر عن أزهارها أكمامها - انقطعت الأطماع دون غايته ، وبسطت أيدي رسائل البلغاء لمبايعة رسالته ، بل أتته وحمل قلمه على أقلام فرسان الكلام سوداء رايته ، وبان هنالك ظلم العائب وحيفه ، فكان كمن سلّ لنحره سيفه ، وعذر على توالي التّأنيب مؤنّبه ، وكان يومئذ له الويل لا لمن يكذّبه ، وامتاز هذا الفاضل بما تحدثه هذه الواقعة من الفخر وتجلبه : فعاجوا فأثنوا بالَّذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ! والمسؤول من إحسان سيّدنا أن يسدّ الخلل كيف ما وجده ، ويصلح الخطأ والخطل كما عوّدته منه وكما عوّده ؛ فإنّه أمير هذه الصّناعة ونحن الرعايا ، وشيخ الفصاحة ونحن الفقراء الذين كم وجدنا في زواياه منها خبايا ؛ وما هذه الرسالة إلا يد امتدّت تسأل من الحلم ما يسعها ، وهذه السّطور إلا حبائل تتصيّد من عوائده ما ينفعها ويرفعها . فأرخ عليها ستر معروفك الَّذي سترت به قدما عليّ عواري ! واللَّه تعالى العالم أنها وردت عن قلب مذهول عن حسن الإيقان ، معدّد عليه نوائب الدّهر بأنامل الخفقان ، مرميّ بسهام الأعادي في قسيّ الضّلوع ، غائص في بحر الهمّ وكلما رمت أن يلقي إليّ درّ الكلام ألقى درّ الدّموع : أبكي فتجري مهجتي في عبرتي وكأنّ ما أبكيته أبكاني ! لا يدع لي الفكر في قلَّة [ مصافاة ] ( 1 ) الإخوان وقتا أستنبط فيه معنى ، ولا
--> ( 1 ) بياض في الأصل . والزيادة من هامش الطبعة الأميرية .