أحمد بن علي القلقشندي

275

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولا عيب فيه غير أنّ علاءه ( 1 ) إذا حدّدوه كان قد جاوز الحدّا ولا عيب أيضا في مآثر بيته سوى أنّها تروى بألسنة الأعدا ! وحتّى يؤمّن عليه القائل : ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيب يوقّيه من العين ! ويقبل من الآخر قوله : شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ من شرّ أعينهم بعيب واحد ! العبد يخدم بسلام ما روضة نقّطها الجوّ بدرّ سحائبه ، وأفرغ عليها الأفق سفط كواكبه ، وامتدّ نوء الذّراع لتدبيج سمائها ، وتأريج أرجائها ، وتخميش معاصم أنهارها المنشقّة بأفنائها ، وصقال نسماتها السّحرية ، ومغازلة عيونها السّحريّة ، وهوان الغالية ( 2 ) بنفحاتها الشّجريّة ، تصرف دنانير أزهارها الصّروف ، ويسلّ جدولها على الهموم السّيوف ، وتجذب حمائمها القلوب بالأطواق ، ويتشفّع دوحها إلى النواظر بالأوراق ؛ قد ترقرق في وجناتها ماء الشّباب ، وغنّى مطرب حمامها وعنتره ( 3 ) في حك من الذّباب ، وبحرها رونق السّيف وفي قلب روضته الذّباب . فما كلّ أرض مثل أرض هي الحمى وما كلّ نبت مثل نبت هو البان ! يوما بأبهج منه أشواقا ، وأطيب منه انتشاقا واتّساقا ؛ والطَّيّبون للطيبات ، ولكلّ غيث نبات ، وما لذلك الغيث إلا هذا النّبات . ونعود فنقول : لا أدري أأتعجّب :

--> ( 1 ) معارضة لقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب ( 2 ) الغالية نوع من الطيب . وقيل إن أول من سماها كذلك معاوية بن أبي سفيان . وأنكر الجاحظ ذلك كله وقال : إنا نجد في أشعار الجاهلية ذكر الغالية . ( مآثر الإنافة : 3 / 342 ) . ( 3 ) العنتر : الذباب الأزرق . وعنتر الذباب : صات وطنّ . وذباب السيف : حدّه ، أو طرفه .