أحمد بن علي القلقشندي

249

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فقال « علم الهندسة » : إن فضلك لمشهور ، ومقامك في الشّرف غير منكور ؛ إلا أن آلاتك بي مقدّرة ، وأشكالك بأوضاعي محرّرة ؛ فأنا إمامك الذي به تقتدي ، ونجمك الذي به تهتدي ؛ بل جميع علوم الهيئة في الحقيقة موقوفة علي ، وراجعة في قواعدها إليّ ؛ لولاي لم يعرف السّطح والكرة ، ولم يميّز بين الخطوط والقسيّ والدّوائر المقدّرة ، مع ما ينشأ عني ، ويستملى من صحابي ويقتبس منّي ، من أحوال المقادير ولواحقها ، ومعرفة ظواهرها الواضحة ودقائقها ، وأوضاع بعضها عند بعض ونسبها ، وخواصّ أشكالها والطَّرق إلى عمل ما سبيله أن يعمل لها ، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينيّة القاطعة ، وإظهارها إلى الحسّ بالأشكال البيّنة والحدود الجامعة المانعة . فقال « علم عقود الأبنية » : نعم ، إلا أنّي أنا أجلّ مقاصدك ، وأعذب مواردك ، ونور عيونك ، وعروس فنونك ؛ منّي يستفاد بناء الحصون والأسوار ، ويتعرّف شقّ الأقنية وحفر الأنهار ، وعمارة المدن وعقد القواصر ، وسدّ البثوق وبناء القناطر ، وتنضيد المساكن ووضع المنازل ، ونصب الأشجار وترتيب الرّياض ذوات الخمائل . فقال علم « جرّ الأثقال » : صدقت ولكنّي أنا أساس مبانيك وقاعدة سنادك ، وحامل أثقالك وعمود اعتمادك ؛ بي تعرف كيفية نقل الثّقل العظيم بالقوّة اليسيرة ، حتّى تنقل مائة ألف رطل بقوّة خمسمائة وذلك من الأسرار النّفيسة والأعمال الخطيرة . فقال « علم مراكز الأثقال » : إلا أنّك محتاج إليّ في أعمالك ، ومتوقّف عليّ في جميع أحوالك ، من حيث استخراج مراكز الأجسام المحمولة ، وبيان معادلة الجسم العظيم بما هو دونه لتوسّط المسافة بالآلات المعمولة . فقال « علم المساحة » : أراك قد غفلت عن معرفة المقادير