أحمد بن علي القلقشندي

225

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

النائية خضوعا فتتّخذ كتب رسائلها على المفارق بعد اللَّثم تيجانا ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ سنّ المعروف وندب إليه ، وأكرم رسول جعل خير بطانتي الملك التي تأمره بالخير وتحثّه عليه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا في السّير سبيله واتّبعوا في السّيرة سننه واقتفوا فيه سننه ، واتّبعوا في المعروف آثاره فتلا عليهم تالي الإخلاص : * ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * ( 1 ) ، صلاة تتناقل على مرّ الزمان أخبارها ، ويتصدّى لروايتها من الأمّة على تمادي الدّهر أحبارها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإن رياسة أهل الدّول تتفاوت باعتبار قرب الرئيس من ملكه في مخاطبته ومناجاته ، واعتماد تصرّفه في أمور دولته وتنفيذ مهمّاته ، والاستناد على رأيه في جليل خطوبه وعظيم ملمّاته : فعال تمادت في العلوّ كأنّما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب ولا خفاء أنّ صاحب ديوان الإنشاء من هذه الرتبة بالمحلّ الأرفع ، والمنزلة التي لا تدافع ولا تدفع ، والمقام الذي تفرّد بصدارته فكان كالمصدر لا يثنّى ولا يجمع ؛ إذ هو كليم الملك ونجيّه ، ومقرّب حضرته وحظيّه ، بل عميد المملكة وعمادها ، وركنها الأعظم وسنادها ، حامي حومتها وسدادها ، وعقدها المتّسق ونظامها ، ورأس ذروتها العلياء وسنامها ، وجهينة خبرها ، وحقيبة وردها وصدرها ، ومبلَّغ أنبائها وسفيرها ، وزند رأيها الموري ومشيرها . فحيّهلا بالمكرمات وبالعلى وحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض هذا ، وهو الواسطة بين الملك ورعيّته ، والمتكفّل لقصيّهم بدرك قصده وبلوغ بغيته ، والمسعد للمظلوم من عزائم توقيعاته بما يقضي بنصرته ؛

--> ( 1 ) الأحزاب / 21 .