أحمد بن علي القلقشندي

205

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

شريف ، وأرومتك كريمة ، والعرق منجب ، والعدد دثر ( 1 ) ، والأمر جميل ، والوجوه حسان ، والعقول رزان ، والعفاف ظاهر ، والذّكر طيّب ، والنّعمة قديمة ، والصّنيعة جسيمة ، وما مثلكم إلا كما قال الشّاعر : إنّ المهالبة ( 2 ) الكرام تحمّلوا دفع المكاره عن ذوي المكروه زانوا قديمهم بحسن حديثهم وكريم أخلاق بحسن وجوه ! النعمة محفوظة بالشّكر ، والأخلاق مقوّمة بالأدب ، والكفاءة محفوفة بالحذق ، والحذق مردود إلى التوكَّل ، والصّنع من وراء الجميع إن شاء اللَّه . هذا إلى ما ألبسك اللَّه من القبول ، وغشّاك من المحبّة ، وطوّقك من الصّبر ، فبقي الآن أن نشتهي ما أنت فيه شهوة في وزن هذه المرتبة ، وفي مقدار هذه المنزلة ، فإنّ الرغبة وإن قويت ، والرّهبة وإن اشتدّت ، فإنهما لا يثمران من النشاط ، وينتجان من القوّة على المباشرة والكدّ ، ما تثمره الشّهوة وإن ضعفت ، والحركة من ذات النّفس وإن قلَّت ، لأن النّفس لا تسمح بمكنونها كلَّه ، وتجود بمخزون قواها أجمع ، إلا بالشهوة دون كلّ علَّة محرّكة ، وكلّ سبب مهيّج . قال يحيى بن خالد لجعفر بن يحيى حين تقلَّد الوزارة ، وتكلَّف النّهوض بأعباء الخلافة : « أي بنيّ ، إنّي أخاف عليك العجز : لعظيم ما تقلَّدت ، وجسيم ما تحمّلت . إني لست آمن أن تتفسّخ تحت ثقلها تفسّخ الجمل تحت الحمل الثّقيل . قال جعفر : لكنّي أرجو القوّة ، وأطمع أن أستقلّ بهذا الثّقل وأنا مبتهل غير مبهور ، وأجيء قبل السّوابق وأنا ثاني .

--> ( 1 ) الدثر : الكثير من كل شيء . ( 2 ) المهالبة : ذوو الصفات الحميدة . مأخوذ من قولهم : يوم هلَّاب : إذا كان مطره سهلا ليّنا دائما غير مؤذ . والشعر للفرزدق . ( انظر لسان العرب : 1 / 787 وعيون الأخبار : 1 / 465 ) .