أحمد بن علي القلقشندي

199

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والخصلة الرابعة : وصف ذلك الإحسان باللَّسان البيّن ، وتخيّره بالبيان النيّر ، وباللَّفظ العذب الشّهيّ ، والمعنى الشّريف البهيّ ؛ فإن الكلام إذا كان حسنا ، جعلته الحكماء أدبا ، ووجدت الرّواة إلى نشره سببا ، حتّى يصير حديثا مأثورا ، ومجدا مذكورا ، وداخلا في أسمار الملوك ، وسوقا من أسواق المتأدّبين ، ووصلة في المجالس ، وزيادة في العقل ، وشحذا للسان ، وترهيفا للقلب ، وتلطيفا للفكر ، وعمارة للصّدر ، وسلَّما إلى العظماء ، وسببا إلى الجلَّة الكبراء . وإذا لم يكن اللَّفظ رائعا ، والمعنى بارعا ، وبالنّوادر موشّحا ، وبالملح مجلوّا ، لم تصغ له الأسماع ، ولم تنشرح له الصّدور ، ولم تحفظه النّفوس ، ولم تنطق به الأفواه ، ولم يخلَّد في الكتب ، ولم يقيّد بالدّرس ، ولم يجذل به قائل ، ولم يلتذّ به سامع . ومتى لم يكن كذلك كان كلاما ككلام اللَّغو ، ومعاني السّهو ، وكالهجر ( 1 ) الذي لا يفهم ، والمستغلق الذي لا يعلم . وليس - أبقاك اللَّه - شيء أحوج إلى الحذق ، ولا أفقر إلى الرّفق ، من الشّكر النّافع ، والمديح النّاجع ، الذي يبقى بقاء الوشم ، ويلوح كما يلوح النّجم . كما أنّه لا شيء أحوج إلى وسع الطَّاقة ، وإلى الفضل في القوّة ، وإلى البسطة في العلم ، وإلى تمام العزم - من الصّبر . وعلى أن الشّكر في طبقات متفاوتة ، ومنازل متباينة ؛ وإن جمعها اسم ، فليس يجمعها حكم ؛ فربّما كان كلاما تجيش به الصّدور ، وتمجّه الأفواه ، وتجدف به الألسنة ، ويستعمل فيه الرّأي المقتضب ، والخاطر المحتار ، والكلام المرتجل ، فيرمى به على عواهنه ، وتبنى مصادره على غير موارده ، لا يتعذّر فيه الشّاكرون لانتفاع المنعمين ، كما تعذّر المنعمون لانتفاع الشّاكرين . وليست غاية القائل إلا أن يعدّ بليغا مفوّها ، أو يستزيد به إلى نعمه السّالفة نعما آنفة ؛ أوليس إلا ليغترّ كريما ، أو يختدع غنيّا لا يتفقّد ساعات القول ، ولا يتعرّف

--> ( 1 ) الهجر : الهذيان .