أحمد بن علي القلقشندي

19

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحديبية ، على ما تقدّم ذكره في الكلام على أصل مشروعيّتها . وهذه نسخة هدنة كتب بها عن سلطان قويّ ، لملك مضعوف ، باشتراط مال يقوم به المضعوف للقويّ في كلّ سنة أو حصون يسلَّمها له أو نحو ذلك ؛ وهي : هذا ما هادن عليه ، وأجّل إليه ، مولانا السلطان فلان - خلَّد اللَّه سلطانه وشرّف به زمانه - الملك فلانا الفلانيّ : هادنه حين تردّدت إليه رسله ، وتوالت عليه كتبه ، وأمّله ، ليمهله ، وسأله ، ليكفّ عنه أسله ، حين أبت صفاحه أن تصفح ، وسماء عجاجه بالدّماء إلا أن تسفح ؛ فرأى - سدّد اللَّه آراءه - أن الصّلح أصلح ، وأن معاملة اللَّه أربح ، وهادن هذا الملك ( ويسميه ) على نفسه وأهله ، وولده ونسله ، وجميع بلاده ، وكلّ طارفه وتلاده ، وماله من ملك ومال ، وجهات وأعمال ، وعسكر وجنود ، وجموع وحشود ، ورعايا في مملكته من المقيم والطَّاريء ، والسّائر بها والساري - هدنة مدّتها أوّل تاريخ هذه الساعة الراهنة وما يتلوها ، مدّة كذا وكذا من سنين وأشهر وساعات ، يحمل فيها هذا الملك فلان إلى بيت مال المسلمين ، وإلى تحت يد مولانا السلطان فلان قسيم أمير المؤمنين ، في هذه المدّة كذا وكذا - يقوم به هذا الملك من ماله ، ومما يتكفّل بجبايته من جزية أهل بلاده وخراج أعماله ، على أقساط كذا وكذا - قياما لا يحوج معه إلى تكلَّف مطالبة ، ولا إلى تناوله بيد مغالبة . على أن يكفّ مولانا السلطان عنه بأس بأسائه ، وخيله المطلَّة عليه في صباحه ومسائه ، ويضمّ عن بلاده أطراف جنوده وعساكره وأتباعهم ، ويؤمّنه من بطائهم وسراعهم ، ويمنع عن بلاد هذا الملك المتاخمة لبلاده ، والمزاحمة لدوافق أمداده ، ويردّ عنها وعمّن جاورها من بقيّة ما في مملكته ، وهي كذا وكذا أيدي النّهب ، ويكفّ الغارات ويمنع الأذى ، ويردّ من نزح من رعايا هذا الملك إليه ، ما لم يدخل في دين الإسلام ويشهد الشّهادتين ،