أحمد بن علي القلقشندي

171

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قريب القرية المعروفة بريّان ( 1 ) ، وهذه القرية قريب الكهف والرّقيم حقيقة ، لا ما يقال : إنه قريب حسبان من بلاد البلقاء ، وقريبا منه صلد من الصّفا عليه كتابة بالرّوميّة أو غيرها من الخطَّ القديم ، وأما القرية المذكورة المسماة بريّان فإنّ بيوتها بنيت حول سنّ جبل قائم كالهرم إلا أنّه ملموم ، وعمّرت البيوت في سفحه حوله بيتا فوق بيت فبدت كأنّها مجرّة النّجوم ، وما من بيت منها إلا وبه مقاعد ذوات درابزينات منجورة ، ورواشن ( 2 ) قد بدت في أكمل صورة ، يختمها من أعلاها أحسن بنيان ، ويعلوها من رأسها منزل مسنّم الرأس كما يعلو الصّعدة السّنان ، وتطوف بهذه القرية جبال كأنّها أسوار بل سوار ، وكأنّها في وسطها إناء فيه جذوة نار ؛ ويتفرّع منها أنهار ، هي في تلك الأودية كأنّها بهبوطها كثيب قد انهار ؛ ذوات قناطر لا تسع غير راكب ، ومضايق لا يلفى عبرها لناكب ؛ قدّر اللَّه أنّ العساكر خلصت منها ولكن بعد مقاساة الجهد ، وخرجت وقد رقّ لها قلب كلّ وهد ؛ ونزلنا قريبا منها حتّى تخلَّص من تخلَّص ، وحضر من كان في المضايق قد تربّص ، وقال : كلّ الأرض حصحص ( 3 ) . ورحلنا من هناك في يوم الأحد ثاني عشر شهر ذي القعدة وكانت السماء قد حيّت الأرض بتيجان أمطارها ، وأغرقت الهوامّ في أحجارها ، والفتخ ( 4 ) في أوكارها ؛ وأصبحت الأرض لا تتماسك حتّى ولا لمرور الأراقم ، والجبال لا تتماسك أن تكون للعصم عواصم ؛ تضع بها من الدّواب كلّ [ ذات ] ( 5 ) حمل ، وتزلق في صقيلها أرجل النّمل ؛ وسرنا على هذه الحالة نهارنا كلَّه إلى

--> ( 1 ) في الروض الزاهر : « رمّان » والصواب ما جاء في الطبعة الأميرية . وفي « المشترك » لياقوت أنه اسم لعشرة مواضع . ( المشترك وضعا والمفترق صقعا : ص 227 ) . ( 2 ) جمع « روشن » وهو لفظ فارسي ، بضم الراء وفتح الشين ، بمعنى الكوّة والنافذة ، وتكون أيضا بمعنى الشرفة . ( انظر « تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل » : ص 118 ) . ( 3 ) يقال : حصحص البعير بصدره الأرض أي فحص الحصى حتى يلين ما تحته ليبرك . وحصحص : مشى مشي المقيّد . ( 4 ) جمع فتخاء ؛ وهي العقاب اللَّينة الجناحين . وفي الروض الزاهر : « الطيور في أوكارها » . ( 5 ) الزيادة من الروض الزاهر .