أحمد بن علي القلقشندي
163
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ارتفاع الكوكب ، وتسري سريان الخيال ، وتمكَّن حوافرها الجياد فتزول منها الجبال ؛ حتّى حصل الخروج من منتهى أقجا دربند ، وهو خناق ذلك المأزق الذي كم أمسك على طارق ، وفم ذلك الدّرب الذي كم عضّت أنيابه على مساوق ومسابق ، وذلك في يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة ، وبات السلطان والناس في وطأة هناك ، وسمحت السّحب بما شاءت من برد وبرد ، وجاءت الرّياح بما آلمت الجلد واستنفدت الجلد ؛ وانتشرت العساكر في وطأة هناك حتّى ملأت المفاوز ، وملكت الطَّرق على المارّ وأخذتها على الجائز ، وقدّم مولانا السلطان الأمير شمس الدّين سنقرا الأشقر في الجاليش ( 1 ) في جماعة من العساكر ، فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التّتار مقدّمهم كراي ، فانهزموا من بين يديه ، وأخذ منهم من قدّم للسّيف السلطانيّ فأكل نهمته وأسأر ( 2 ) ، واستمرّت تلك سنّة فيمن يؤخذ من التّتار ويؤسر ؛ وذلك في يوم الخميس تاسع ذي القعدة . وبات التّتار على أجمل ترتيب لأنفسهم وأجمل منظر ، وبات المسلمون على أتمّ تيقّظ وأعظم حذر ( 3 ) ، ولم يتحقّقوا قدوم مولانا السلطان في جيوش الإسلام ، ولا أنّه حضر بنفسه النّفيسة ليقوم في نصرة دين اللَّه ( 4 ) هذا المقام . فلمّا كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر بأن القوم قد قربوا ، وأنهم ثابوا وثبوا : وقد تمنّوا غداة الدّرب ( 5 ) في لجب أن يبصروه فلمّا أبصروه عموا ! ( وشرع مولانا السلطان فوصّى جنوده بالتّثبّت عند المصدمة ،
--> ( 1 ) الجاليش : علم كبير في أعلاه خصلة من شعر الخيل . ( 2 ) أسأر من الطعام والشراب : أبقى بقية . ( 3 ) في الروض الزاهر : « وبات الناس على أجمل ترتيب ، والتتار على كتمان لا يعلم كثير عددهم أو قليل ، وبعيد مكانهم أم قريب » . ( 4 ) في المصدر السابق « الدين المحمديّ » . ( 5 ) في المصدر السابق « غداة الروع » .