أحمد بن علي القلقشندي
140
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والأمم وممالكها ، وطرق الأقاليم ومسالكها ، ومراكز البريد ومسافاتها ، وأبراج الحمام ومطاراتها ، وهجن الثّلج والسّفن المعدّة لنقله ، والمحرقات المؤدّية إلى اجتياح العدوّ وتفريق شمله ، والمناور وأماكنها ، والقصّاد ومكامنها . هذه رسومها على سبيل الإجمال ، والإشارة إلى مصطلحاتها بأخصر الأقوال . واعلم أنّ حسن الخطَّ من الكتابة واسطة عقدها ، وقوّة الملكة على السّجع والازدواج ملاك حلَّها وعقدها ، على أنّ خير الخطَّ ما قري ، وأحسن السّجع ما سلَّم من التّكلَّف وبري ؛ وللكتّاب في بحر الكتابة سبح طويل ، وتفنّن يسفر عن كلّ وجه جميل . قلت : فهل لهذه الرّتبة الرّئيسة ، والمنقبة النّفيسة ، سمط يلمّها ، أو سلك يضمّها ؟ فقال : سبحان اللَّه : إن بيتها لأشهر من « قفانبك » ( 1 ) ، وأظهر للعيان من شامخات جبال النّبك ( 2 ) ؛ أيخفى من البدر ضوءه الباهر ، ونوره الزّاهر ؟ إن ذلك لقاصر على « آل فضل اللَّه » ( 3 ) حقّا ، ومنحصر في المقرّ
--> ( 1 ) مطلع قصيدة امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللَّوى بين الدخول فحومل ( 2 ) بين حمص ودمشق . ( 3 ) تولت أسرة « فضل اللَّه العمري » لأكثر من قرن من الزمان وظيفة صاحب ديوان الإنشاء ، أو كاتب السر في دولتي المماليك البحرية والبرجية . وإلى أحد أفرادها ، وهو شهاب الدين ، يرجع الفضل في وضع المصطلح الشريف الخاص بأصول المكاتبات والمراسلات والألقاب وغيرها من أعمال ديوان الإنشاء . وقد تولى رئاسة ديوان الإنشاء من بين أفراد هذه الأسرة خمسة أشخاص هم على التوالي : القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل اللَّه ، والقاضي محيي الدين بن فضل اللَّه ومعه ابنه القاضي شهاب الدين أحمد ، ثم القاضي محيي الدين بن فضل اللَّه ومعه ابنه القاضي علاء الدين ، ثم القاضي علاء الدين بن محيي الدين بن فضل اللَّه استقلالا ، ثم القاضي بدر الدين محمد بن محيي الدين بن فضل اللَّه ( انظر : القلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 107 والألقاب الإسلامية : ص 45 - 46 ) .