أحمد بن علي القلقشندي

127

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وقد اشتملت على بيان ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الموادّ ، وما ينبغي أن يسلكه من الجوادّ ، مع التّنبيه على جملة من المصطلح بيّنت مقاصده ، ومهّدت قواعده ، على ما ستقف عليه في خلال مطاويها إن شاء اللَّه تعالى ؛ وهي : حكى النّاثر ابن نظَّام ، قال : لم أزل من قبل أن يبلغ بريد عمري مركز التّكليف ، ويتفرّق جمع خاطري بالكلف بعد التّأليف ؛ أنصب لاقتناص العلم أشراك التّحصيل ، وأنزّه توحيد الاشتغال عن إشراك التّعطيل ، مشمّرا عن ساق الجدّ ذيل الاجتهاد ، مستمرّا على الوحدة وملازمة الانفراد ، أنتهز فرصة الشّباب قبل تولَّيها ، وأغتنم حالة الصّحّة قبل تجافيها ؛ قد حالف جفني السّهاد ، وخالف طيب الرّقاد ، أمرّن النّفس على الاشتغال كي لا تملّ فتنفر عن الطَّلب وتجمح ، مميلا جانب قصدها عن ركوب الأهواء والميل إليها ، صارفا وجه غايتها عن المطالب الدّنيويّة والرّكون إليها ، متخيّرا أليق الأماكن وأوفق الأوقات ، قانعا بأدنى العيش راضيا بأيسر الأقوات ، أونس من شوارد العقول وحشيّها ، وأشرّد عن روابض المنقول حوشيّها ، وألتقط ضالَّة الحكمة حيث وجدتها ، وأقيّد نادرة العلم حيث أصبتها ، مقدّما من العلوم أشرفها ، ومؤثرا من الفنون ألطفها ، معتمدا من ذلك ما تألفه النفس ويقبله الطَّبع ، مقبلا منه على ما يستجلي حسنه النّظر ويستحلي ذكره السّمع ، منتقيا من الكتب أمتعها تصنيفا ، وأتمّها تحريرا وأحسنها تأليفا ، منتخبا من أشياخ الإفادة أوسعهم علما وأكثرهم تحقيقا ، ومن أقران المذاكرة أروضهم بحثا وألطفهم تدقيقا ، عارفا لكلّ عالم حقّه ، وموفّيا لكلّ علم مستحقّه ؛ قد استغنيت بكتابي عن خلَّي ورفيقي ، وآثرت بيت خلوتي على شفيقي وشقيقي ؛ أجوب فيافي الفنون لتظهر لي طلائع الفوائد فأشهدها عيانا ، وأجول في ميدان الأفكار لتلوح لي كمائن المعاني فلا أثني عنها عنانا ، وأشنّ غارات المطالعة على كتائب الكتب فأرجع بالغنيمة ، وأهجم على حصون الدّفاتر ثم لا أولَّي عن هزيمة ، بل كلَّما لاحت لي فئة من البحث تحيّزت إليها ، أو ظهرت لي