أحمد بن علي القلقشندي

12

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الضرب الثاني ( مما يلزم الكاتب في كتابة الهدنة - تحرير أوضاعها ، وترتيب قوانينها ، وإحكام معاقدها ) وذلك باعتماد أمور : منها - أن يكتب الهدنة فيما يناسب الملك الذي تجري الهدنة بينه وبين ملكه ؛ ولم أرمن تعرّض في الهدن لمقدار قطع الورق ، وإن كثرت كتابتها في الزّمن المتقدّم بين ملوك الديار المصرية وبين ملوك الفرنج ، كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى . والذي ينبغي أن يراعى في ذلك مقدار قطع الورق الذي يكاتب فيه الملك الذي تقع الهدنة معه : من قطع العادة أو الثّلث أو النّصف . ومنها - أن يأتي في ابتدائها ببراعة الاستهلال : إما بذكر تحسين موقع الصّلح والنّدب إليه ويمن عاقبته ، أو بذكر السلطان الذي تصدر عنه الهدنة ، أو السّلطانين المتهادنين ، أو الأمر الذي ترتّب عليه الصّلح ، وما يجري هذا المجرى مما يقتضيه الحال ويستوجبه المقام . ومنها - أن يأتي بعد التّصدير بمقدّمة يذكر فيها السّبب الذي أوجب الهدنة ودعا إلى قبول الموادعة . فإن كانت الهدنة مع أهل الكفر ، احتجّ للإجابة إليها بالائتمار بأمر القرآن والانقياد إليه ، حيث أمر اللَّه رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالمطاوعة على الصّلح والإجابة إلى السّلم بقوله : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى الله ) * ( 1 ) ، وما وردت به السّنّة ، من مصالحته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قريشا عام الحديبية ، وذكر ما سنح له من آيات الصّلح وأحاديثه ، وما جرى عليه الخلفاء الراشدون من بعده ، وكفّهم عن القتال وقوفا عندما حدّ لهم ، وأنّه لولا ذلك لشرعوا الأسنّة

--> ( 1 ) الأنفال / 61 .