أحمد بن علي القلقشندي
114
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وبيّنة بعد بيّنة ، حتّى انتهى تقديره - جلّ جلاله - أن بعث النّبيّ الأمّيّ ، الفاضل الزّكيّ ، الذي قفّى به على الرّسل ، ونسخ بشريعته شرائع الملل ، وبدينه أديان الأمم ، على حين تراخي فترة ، وترامي حيرة ؛ فأباخ ( 1 ) به نيران الفتن بعد اضطرامها ، وأضاء به سبل الرّشاد بعد إظلامها ، على علم منه - تعالى ذكره - بما وجده عنده من النّهوض بأعباء الرّسالة ، والقيام بأداء الأمانة ، فأزاح بذلك العلَّة ، وقطع المعذرة ، ولم يبق للشّاكّ موضع شبهة ، ولا للمعاند دعوى مموّهة ، حتى مضى حميدا تشهد له آثاره ، وتقوم بتأييد سنّته أخباره ، قد خلَّف في أمّته ، ما أصارهم به إلى عطف اللَّه ورحمته ، والنّجاة من عقابه وسخطه ، إلَّا من شقي بسوء اختياره ، وحرم الرّشاد بخذلانه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله الطيبين أفضل صلاة وأتمّها ، وأوفاها وأعمّها . والحمد للَّه الذي خصّ سيدنا الأمير بالتّوفيق ، وتوحّده بالإرشاد والتّسديد ، في جميع أنحائه ، ومواقع آرائه ، وجعل همّته ( إذ كانت الهمم منصرفة إلى هشيم الدّنيا وزخارفها ، التي يتحلَّى بها الأبناء وتدعوها إلى نفسها ) مقصورة على ما يجمع له رضا ربّه ، وسلامة دينه ، واستقامة أمور مملكته ، وصلاح أحوال رعيّته ، وأيّده في هذه الحال المعارضة ، والشّبهة الواقعة ، التي تحار في مثلها الآراء ، وتضطرب الأهواء ، وتتنازع خواطر النفوس ، وتفتلج وساوس الصّدور ، ويخفى موقع الصّواب ، ويشكل منهج الصّلاح - بما اختار له من السّلم والموادعة ، والصّلح والموافقة ، الذي أخبر اللَّه تعالى في كتابه على فضله ، والخير الذي في ضمنه ، بقوله جلّ وعزّ : * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * ( 2 ) وقوله جلّ ذكره : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى الله ) * ( 3 ) حتّى أصبح السّيف مغمودا ، ورواق الأمن ممدودا ، والأهواء
--> ( 1 ) أي أسكنها وأطفأها . ( 2 ) النساء / 128 . ( 3 ) الأنفال / 61 .