أحمد بن علي القلقشندي
107
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المنابذ على أحدهم مفزعا عند أحد من الباقين ولا اعتصاما له ، ولا التجاء إليه ، لكن يكون مرميّا بجميع سهامهم ، ومضروبا بأسياف نقمتهم ، ومأخوذا بكلَّيّة بأسهم وقوّتهم ، ومقصودا بغالب نجدتهم وشدّتهم ؛ إذ كانت هذه الآداب القويمة ، والطَّرائق السّليمة ، جارية للدّول مجرى الجنن ( 1 ) الدّافعة عنها ، والمعاقل المانعة لها ، وبمثلها تطمئنّ النعم وتسكن ، كما أنّ بأضدادها تشمئزّ وتنفر . ولما وفّق اللَّه تعالى شرف الدّولة وزين الملَّة أبا الفوارس ، وصمصام الدّولة وشمس الملَّة أبا كاليجار اعتقاد هذه الفضائل وإيثارها ، والتّظاهر بها واستشعارها ، ودعاهما مولاهما الطائع للَّه أمير المؤمنين إلى ما دعاهما إليه من التّعاطف والتآلف ، والتّصافي والتّخالص ، وأمر صمصام الدّولة أبا كاليجار بمراسلة شرف الدّولة أبي الفوارس في إحكام معاقد الأخوّة ، وإبرام وثائق الألفة - امتثل ذلك وأصغى إليه شرف الدّولة وزين الملَّة أبو الفوارس : أصغى إليه شرف الدّولة إصغاء المستوثق المستصيب ، وتقبّله تقبّل العالم اللَّبيب ، وأنفذ إلى باب أمير المؤمنين رسوله أبا نصر « خرشيد بن ديار بن مأفنة » بالمعروف من كفايته ، والمشهور من اصطناع الملك السّعيد عضد الدّولة وتاج الملَّة رضوان اللَّه عليه له ، وإيداعه إيّاه وديعة الإحسان التي يحقّ عليه أن يساوي في حفظها بين الجهتين ، ويوازي في رعايتها بين كلا الفريقين . فجرت بين صمصام الدّولة وشمس الملة أبي كاليجار وبينه مخاطبات استقرّت على أمور أتت المفاوضة عليها ، وأثبت منها في هذه المواصفة ما احتيج إلى إثباته منها [ أمر ] ( 2 ) عامّ للفريقين ، وقسمان يختصّ كلّ واحد منهما بواحد منهما .
--> ( 1 ) أي الدروع . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق .