أحمد بن علي القلقشندي

72

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

التدبير ؛ فمن هنالك زادت السنة الشمسية فصارت ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربعا بالتقريب المعمول عليه ؛ وهي المدّة التي تقطع الشمس فيها الفلك مرّة واحدة ، ونقصت السنة الهلالية فصارت ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وكسرا ، وهي المدّة التي يجامع القمر فيها الشمس اثنتي عشرة مرة ، واحتيج إذا انساق هذا الفضل إلى استعمال النقل الذي يطابق إحدى السنتين بالأخرى إذا افترقتا ، ويداني بينهما إذا تفاوتتا . وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين على افتنان من طرقها ومذاهبها ، وفي كتاب اللَّه عز وجل شهادة بذلك إذ يقول في قصّة أهل الكهف : * ( ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً ) * ( 1 ) فكانت هذه الزيادة بأن الفضل في السنين المذكورة على تقريب التقريب . فأما الفرس فإنهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهرا ، وأيامها ثلاثمائة وستون يوما ، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبا ، وسمّوا أيام الشهر منها ثلاثين اسما ، وأفردوا الأيّام الخمسة الزائدة ، وسمّوها المسترقة وكبسوا الرّبع في كل مائة وعشرين سنة شهرا . فلما انقرض ملكهم ، بطل في كبس هذا الربع تدبيرهم ، وزال نوروزهم عن سنّته ، وانفرج ما بينه وبين حقيقة وقته ، انفراجا هو زائد لا يقف ، ودائر لا ينقطع ، حتّى إنّ موضوعهم فيه أن يقع في مدخل الصيف وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الشتاء ، [ ويتجاوز ذلك ؛ وكذلك موضوعهم في المهرجان أن يقع في مدخل الشتاء ] ( 2 ) وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الصيف ويتجاوزه . وأما الروم فكانوا أتقن منهم حكمة وأبعد نظرا في عاقبة : لأنهم رتّبوا شهور السنة على أرصاد رصدوها ، وأنواء عرفوها ، وفضّوا الخمسة الأيام الزائدة على

--> ( 1 ) الكهف / 25 . ( 2 ) الزيادة من المقريزي : 1 / 279 .