أحمد بن علي القلقشندي

53

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ينسى به الذّنب فكأنّه كان برقا أومض ولمح وراح - أن يكون المشار إليه طرخانا يقيم حيث شاء وأين أراد من البلاد الإسلامية المحروسة معاملا بمزيد الإكرام والاحترام ، وأوفر العناية والرّعاية حسب ما اقتضته المراسيم الشريفة في ذلك عندما شملته الصدقات العميمة والمراحم الشاملة بالعفو الشريف ، والحكم المنيف ، والإقبال والرّضا ، والصّفح عمّا مضى ، لما رأيناه من ترفيه خاطره ، وقرار قلبه برفع التكليف عنه وقرّة ناظره ، ولما تخلَّقت به أخلاقنا ، من التيمّن الذي ألبسه أثواب الأمان ، وجبلت عليه طباعنا ، من الرأفة والرحمة والراحمون يرحمهم الرحمن ، ولما مهّده له عندنا اعترافه الذي هو له في الحقيقة أقوى شفاعة ، ولما تحقّقناه من أنه لم يفعل ذلك إلا لوفور الطاعة التي أوجبت له الإرهاب إذ الهرب من الملوك طاعة ، وكيف لا وقد تيقّن سخطنا الشريف وعلم ، وخشي مهابتنا الشريفة ومن خاف سلم . فليتقلَّد عقود هذه المنن التي طوّقت جيده بالجود ، وليشكر مواقع هذا الحلم الذي سرّ وسار كالمثل السائر في الوجود ، وليقابل هذا الإقبال بالدعاء لأيّامنا الزاهرة ، وليحظ بمواهبنا العميمة وصدقاتنا الباهرة ، وليحط علما بأنّ إحساننا العميم قد أعاد إليه ما ألفه من الإسعاد والإصعاد ، وأنّ صفحنا الشريف قد أضرب عمّا مضى والماضي لا يعاد ؛ فليقم حيث شاء من البلاد المحروسة ، متفيّئا ظلال مواهبنا التي يغدو وسرائره بها مأنوسة ، واردا بحار عطايانا الزاخرة ، ممتّعا بملابس رضانا الفاخرة ، طيّب القلب منبسط الأمل ، منشرح الصدر بما عمّه من الإنعام وشمل ، مرعيّ الجناب في كل مكان ، معظَّم القدر على توالي الأزمان ، مبتهجا بغمد ما عرض من ذلك التقطيب ، مستبشرا بإقبالنا الذي يلذّ به عيشه ويطيب ؛ واللَّه تعالى يديم له عوارفنا المطلقة ، وغمائم كرمنا المغدقة ، ومواهبنا التي انتشرت له في كلّ قطر فهي لأنواع العطايا مستغرقة ، ومنننا التي تسير معه حيثما سار وتقيم لديه أنّى أقام فلا تزال عنده مخيّمة في الأماكن المتفرّقة ؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه اللَّه تعالى أعلاه .