أحمد بن علي القلقشندي
3
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * وصلَّى اللَّه وسلَّم على سيدنا محمد وآله وصحبه المقالة السادسة فيما يكتب في [ الوصايا الدينية ، و ] ( 1 ) المسامحات ، والإطلاقات السلطانية والطَّرخانيات ، وتحويل السنين والتذاكر ؛ وفيها أربعة أبواب : الباب الأوّل في الوصايا الدينيّة ؛ وفيه فصلان الفصل الأول فيما لقد ماء الكتّاب من ذلك اعلم أنّه كان لقدماء الكتّاب بذلك عناية عظيمة بحسب ما كان للملوك من الإقبال على معالم الدّين ؛ ومن أكثرهم عناية بذلك أهل الغرب : لم يزالوا يكتبون بمثل ذلك إلى نواحي ممالكهم ، ويقرأ على منابرهم ؛ ولهم في ذلك الباع الطويل والهمة الوافرة . وهذه نسخة من ذلك كتب بها بها أبو زيد الداراري : أحد كتّاب الأندلس عن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين المنصور : أحد خلفاء بني أميّة ( 2 ) بالأندلس ؛ وهي :
--> ( 1 ) الزيادة مما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب ومما يأتي في التفصيل تحت الباب الأول . ( 2 ) ليس في خلفاء بني أميّة بالأندلس من اسمه المنصور . وأشار المحقق في هامش الطبعة الأميرية إلى أن المنصور هو ابن أبي عامر الذي تغلَّب على هشام بن الحكم الأموي واستبد بالأمر ، ثم من بعده ابنه المظفر ثم أخوه عبد الرحمن . ( ولم يزد المحقق على ذلك ؛ أي أن الالتباس الناشئ عن هذه العبارة لم يزل ) . وفي سياق هذه الرسالة - الوصيّة بعض إشارات تجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن المنصور المشار إليه هو المنصور المؤمني ، يعقوب بن يوسف الموحدي ، أحد ملوك الدولة المؤمنية في المغرب الأقصى . فالكتاب موجّه من « حضرة إشبيلية » ، والمعروف أن دولة الموحدين ، وإن كان منشؤها ومقرها الأساسي المغرب الأقصى ، فإنها كانت تمتد إلى الأندلس خاصة في زمن المواجهة مع ممالك الفرنج . فالمنصور المؤمني بويع له بعد وفاة أبيه سنة 580 ه وكان معه في وقعة « شنترين » غربي جزيرة الأندلس ، فرجع إلى إشبيلية واستكمل البيعة ؛ أما الناصر المؤمني ، محمد بن يعقوب المنصور ، فقد كان له المغرب الأقصى وإفريقية والأندلس ، وفي أيامه كانت وقعة « العقاب » المشهورة بالأندلس . لذلك فليس مستغربا أن تصدر الكتب عن خلفاء دولة الموحدين انطلاقا من « حضرة إشبيلية » . والإشارة الثانية هي أن المنصور المذكور في الوصية قد جدّ في كتب الفلاسفة تحريقا وتمزيقا . والمعروف تاريخيا أن الذي قام بهذا العمل هو المنصور المؤمني ؛ فقد كان الفيلسوف ابن رشد مقربا منه في ( البداية ) ولكن خصومه أوغروا صدره عليه واتهموه بالزندقة والإلحاد ، فنفاه المنصور إلى مراكش وأحرق بعض كتبه . وبذلك نعتقد أن الوصية صادرة عن الناصر المؤمني ( 595 - 610 ه ) ابن المنصور المؤمني . وحتى تستقيم العبارة لا بد من القول : « أحد خلفاء بني عبد المؤمن ، أو أحد خلفاء الموحدين بالأندلس » بدلا من بني أميّة . ( انظر : طبقات سلاطين الإسلام : 26 - ومعجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي : 1 / 2 - والأعلام : 5 / 318 و 7 / 145 و 8 / 203 - وصبح الأعشى : الطبعة الأميرية : 13 / 2 ) .