أحمد بن علي القلقشندي
15
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بعروتها الوثقى انفصال ولا انفصام ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الداعي إلى الملك العلَّام ، والهادي إلى الحق بواضح الإرشاد والإعلام ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم أئمة الإسلام ، وهداة الخلق إلى دار السّلام ، خصوصا أبا بكر الصديق الذي سبق الناس بما وقر ( 1 ) في صدره لا بمزيّة صلاة ولا بمزيد صيام ، وعمر بن الخطَّاب الذي كان له في إقامة الحق أعظم مقام ، ومن أهل الصلاح والفساد انتقاء وانتقام ، وعثمان بن عفّان الذي جمع القرآن فحصل لشمل سوره وآياته بما فعل أحسن التئام ، وأنفق ماله محتسبا للَّه تعالى فحاز من الثواب رتبة لا ترام ، وعليّ بن أبي طالب الذي كان صهر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وابن عمه ووارث علمه اللَّهام ( 2 ) ، والمجادل عن دينه بالعلم والمجاهد بين يديه بالحسام ، والباقين من العشرة الكرام ، صلاة تستمدّ بركاتها وتستدام ، وينمو فضلها بغير انقضاء ولا انصرام . وبعد ، فإن اللَّه تعالى بعث محمدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بشرعه الذي ارتضاه ، ودينه الذي قضاه ، وحكمه الذي أبرمه وأمضاه ، فبلَّغ الرسالة ، وأوضح الدّلالة ، وأفصح المقالة ، وجاهد في اللَّه طوائف الأعداء ، وأمال اللَّه تعالى إلى قبول قوله وتصديقه من سبقت له العناية من الأودّاء ، ونصره على مخالفيه من المشركين والحاسدين حتّى مات كل منهم بما في نفسه من الداء ، وبيّن الطريق ، وبرهن على التحقيق ، فأعلن النّذارة والبشارة ، ومهّد قواعد الدين تارة بالنص وتارة بالإشارة ، وتمّ الدين بإحكام أحكامه ، وشيّدت قواعده بإعلاء أعلامه ، وعمّت الدعوة وتمّت ، وفشت الهداية ونمت ، ودخل الناس في الدين أرسالا ، وبلغت نفوس المؤمنين من إعلاء كلمة التوحيد آمالا ، وأصبحت الخيرات والبركات تتواتر وتتوالى ، وخمدت نار الشّرك وطفئت مصابيح الضلالة ووحّد اللَّه تبارك وتعالى . فلمّا تكامل ما أراد اللَّه تعالى إظهاره في زمانه ، وتمّ ما شاء إبرازه في إبّانه ، وأعلنت الهداية ، ومحيت الغواية ، وقام عمود الدين ،
--> ( 1 ) وقر الشيء في صدره : سكن فيه وثبت وبقي أثره . ( 2 ) اللَّهام : العظيم كأنه يلتهم كل شيء .