أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولمّا كان المجلس العالي : هو الَّذي لم يبرح صدره خزانة أسرارنا ، وفكره كنانة إعلاننا في المصالح وإسرارنا ، وخاطره مرآة آرائنا ، ويراعه مشكاة ما يشرق : من أنوار تدبيرنا ، أو يبرق : من أنواء آلائنا ؛ ينطق قلمه في الأقاليم عن ألسنة أوامرنا المطاعة ، وينفذ كلمه عن مراسمنا في ديوان الإنشاء بما تقابله أقلام الجماعة بالسّمع والطَّاعة ؛ وكانت سنّه قد علت في خدمتنا إلى أن رأينا توفير خاطره على البركات ، عن كثير ممّا يتبع ركابنا الشريف من لوازم الحركات ، وأن نعفيه مما يلزم الإقامة بأبوابنا الشريفة من كثرة المثول بين يدينا ، وأن نقتصر به على أخفّ الوظيفتين إذ لا فرق في رتبة السّرّ بين ما يصدر عنّا أو ما يرد إلينا . فرسم بالأمر الشّريف ، العاليّ ، المولويّ ، السّلطانيّ ، الملكيّ ، الفلانيّ ، أن يكون فلان صاحب ديوان الإنشاء الشّريف بالشام المحروس ، بمعلومه الشّاهد له به الديوان المعمور بالأبواب العالية ، عوضا عن أخيه المجلس الساميّ ، القضائيّ ، المحيويّ « يحيى ( 1 ) بن فضل اللَّه » ويستمرّ أخوه القاضي « محيي الدّين » المذكور مع جملة الكتّاب بديوان الإنشاء الشّريف بالشّام المحروس ، بالمعلوم الشّاهد به الدّيوان المعمور . فليباشر هذه الرّتبة الَّتي تأثلت به قواعدها وعن تقريره وتحريره أخذ كلّ من كان بأنواعها وأوضاعها عليما ؛ فإنّه لم يخرج عن أخيه شيء وصل إليه ، ولا فوّض له إلَّا ما هو بحكم عموم الأولويّة والأوّليّة في يديه ؛ وأمّا ما يتعلَّق بذلك من وصايا تبسط ، وقواعد تشرط ، فإنّها منه استفادها من رقّمها ، وعنه ارتوى بها ورواها من تعلَّمها ؛ ونحن نعلم من ذلك ما لا يحتاج إلى أن يزداد فيه يقينا ، ولا أن نزيده بذكره معرفة وتمكينا ؛ والاعتماد . . . قلت : ومن غريب ما وقع : أنّه كتب للمقرّ الشّهابيّ بن فضل اللَّه بكتابة السّر بالشّام ، حين وليها بعد انفصاله من الديار المصرية توقيع مفتتح ب « أمّا بعد

--> ( 1 ) وهو والد شهاب الدين أحمد صاحب « مسالك الأبصار » و « التعريف » .