أحمد بن علي القلقشندي

91

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

البلاغة ، وكذا بحار الفضائل واردة مناهلها المساغة ؛ كم أعرب كلمه الطَّيّب ، عن سحّ سحاب الصّواب الصّيّب ، وكم أغنى في المهمّات بكتبه ، عن جيش الكتائب وقضبه ( 1 ) ، وكم هزأت صحائفه بالصّفائح وكم أغنت راشقات فكره الثابتة العلم عن سهو السّهم الرّائح ، وكم تشاجرت أقلامه البيض الفعال هي وسمر الرّماح فكان نصرها اللَّائح ، وكم تعارض نشر وصفه وشذا الطَّيب فألفى الزّمان ثناءه هو الفائح ، وكم اشتمل على أنواع من النّفاسة فاستوجب منّا منّا يقضي له بأجزل المنى والمنائح . ولما كان المجلس العاليّ ، القاضويّ ، الأجلَّيّ ، الكبيريّ ، العالميّ ، الفاضليّ ، الكامليّ ، الأوحديّ ، الأثيريّ ، الرّئيسيّ ، البليغيّ ، المفيديّ ، المجيديّ ، الأصيليّ ، العريقيّ ، العابديّ ، الزّاهديّ ، المؤتمنيّ ، الفتحيّ ، جمال الملوك والسّلاطين ، وليّ أمير المؤمنين ، محمد بن الشّهيد ، أدام اللَّه نعمته ، هو الَّذي أعرب القلم عن صفاته ، وأطرب المسامع ما أدّاه اليراع عن أدواته ، ورام البنان أن يستوعب بيان شكره فلم يدرك شأو غاياته ، وتسارعت بدائع البدائة من أفكاره فسابقت جريان يراعه في أبياته ، وراقت أماليه ، لناقلي ألفاظه ومعانيه ، فشكر السّمع والفهم بها هبّات هباته ؛ فآدابه مشهورة ، وعلومه مذكورة ، وتحلَّيه بمذاهب الصّوفية ارتاضت به نفسه الخيّرة الخبيرة ، وإخلاصه في عبادة اللَّه تعالى حسنت به منه السّيرة والسّريرة ، وصيانته للأسرار الشّريفة استحق بها إسناد أمرها إليه ، وإيداع غوامضها لديه ، والتّعويل في حفظها وفي لفظه للفظها عليه - اقتضى حسن الرّأي الشّريف أن نجتبيه لما تحقّقنا منه من ذلك ، ونخصّه بصحابة ديوان الإنشاء الشّريف في أجلّ الممالك ، ونجعل قدمه ثابتة الرّسوخ ، والصّعود في مشيخة الشّيوخ ، ليسلك فيها أحسن المسالك . فلذلك رسم بالأمر الشريف [ العاليّ ] ( 2 ) الأشرفيّ ، النّاصريّ - لا زال

--> ( 1 ) القضب : السيوف القاطعة . ( 2 ) بياض بالأصل . والتصحيح مما تقدّم .