أحمد بن علي القلقشندي
71
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إذا رضي اللَّه ورسوله بذلك . ولما كان فلان هو الَّذي خطبته لهذه الخطابة علومه الَّتي لا تسامى ولا تسام ، وعيّنته لهذه الإمامة فضائله الَّتي حسنت بها وجوه العلم الوسام ، حتّى كأنّها في فم الزمن ابتسام ، وألقى إليه مقاليدها كماله الَّذي صدّ عنها الخطَّاب ، وسدّ دونها أبواب الخطاب ، وقيل : هذا الإمام الشافعيّ أولى بهذا المنبر وأحرى بهذا المحراب - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلَّي أعطاف هذا المنبر بفضله الذي يعيد عوده رطيبا ، ويضمّخ طيبا منه ما ضمّ خطيبا ، وأن نصدّر بهذا المحراب من نعلم أنّه لدى الأمّة مناج لربّه ، واقف بين يدي من يحول بين المرء وقلبه . فلذلك رسم . . . - لا زال يولَّي الرّتب الحسان ، ويجري بما أمر اللَّه به من العدل والإحسان - أن تفوّض إليه الخطابة والإمامة بجامع دمشق المحروس على عادة من تقدّمه . فليرق هذه الرّتبة الَّتي أمطاه اللَّه ذروتها ، وأعطاه الفضل صهوتها ، وعيّنه تفرّده بالفضائل لإذكار الأمّة عليها ، ورجّحه لها انعقاد الإجماع على فضله حتّى كادت للشوق أن تسعى إليه لو لم يسع إليها ، حتّى تختال منه بإمام لا تعدو مواعظه حبّات القلوب ، لأنها تخرج من مثلها ، ولا تدع خطبه أثرا للذّنوب ، لأنّها توكَّل ماء العيون بغسلها ، ولا تبقي نصائحه للدّنيا عند المغترّ بها قدرا ، لأنّها تبصّره بخداعها ، ولا تترك بلاغته للمقصّر عن التّوبة عذرا : فإنّها تحذّره من سرعة زوال الحياة وانقطاعها ، ولا تجعل فوائده لذوي النّجدة والبأس التفاتا إلى أهل ولا ولد لأنّها تبشّره بما أعدّ اللَّه لمن خرج في سبيله ، ولا تمكَّن زواجره من نشر الظلم أن يمدّ إليه يدا لأنّها تخبره بما في الإقدام على ذلك من إغضاب اللَّه ورسوله . فليطل - مع قصر الخطبة - للظَّالم مجال زجره ، وليطب قلب العالم العامل بوصف ما أعدّ اللَّه له من أجره ، وليجعل خطبه كلّ وقت مقصورة على