أحمد بن علي القلقشندي

62

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الدنايا بمن يقوم بالحسبة - أن يفوّض إليه النّظر على الحسبة الشّريفة بدمشق وما معها من الممالك الشامية المضافة إليها ، بالمعلوم المستقر ، الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت : مضافا إلى ما هو بيده : من نظر الأوقاف المبرورة بالشّام ، وأوقاف الملوك ، خلا نظر الجامع المعمور إلى آخر وقت بحكم إفراده لمن عين له ، تفويضا يضمّه إلى ربائب كنفه ، ويعمّه بمواهب شرفه ، ويحلَّه في أعلى غرفه ، ويحلَّيه بما يحسد الدّرّ ما رمى من صدفه . فاتّق اللَّه في أحوالك ، وانتق من يجمع عليه من النوّاب في أعمالك ، وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر ، فمنك المنكر لا يعرف والمعروف منك لا ينكر ، واعتبر أحوال أرباب المعايش اعتبارا يصلح للناس أقواتهم ، ويرغد أوقاتهم ، ولا تدع صاحب سلعة يتعدّى إلى غير ما أحلَّه اللَّه له من المكاسب ، ولا صاحب معيشة يقدم على تخلَّل خلل في المآكل والمشارب ، واقصد التّسوية بالحقّ فإنه سواء فيه البائع والمشتري ، ولا فرق بين الرّخيص والثمين ، وأقم الموازين بالقسط حتّى لا تتمكن كفّاتها أن تتحامل ولا تتحمل ، ولا يستطيع قلبها أن يميل مع من يتموّل ، ولا يقدر لسانها أن يكتم الشهادة بالحقّ وإن كان مثقال حبّة من خردل ، واجعل لك على أهل المبايعات حفظة لتظلّ أعمالهم لك تنسخ ، وتفقّد الأسواق مما يتولَّد فيها من المفاسد فإنّ الشّيطان ربّما باض في الأسواق وفرّخ . وأرباب الصنائع فيهم من يدلَّس ، وفقهاء المكاتب ( 1 ) منهم من لعرضه يدنّس ، والقصّاص غالبهم يتعمّد الكذب في قصصه ، وأهل النّجامة ( 2 ) كم منهم من لعب مرّة بعقل امرأة وأمات رجلا بغصصه ، وآخرون ممن تضلّ بهم العقول ، وتظلّ حائرة فيهم النّقول ، وكثير ممن سوى هؤلاء يدك مبسوطة عليهم ، وأحكامك محيطة بهم من خلفهم وبين يديهم ؛ فقوّم منهم من مال ، وقلَّد مالكا رضي اللَّه عنه فيما رآه من المعاقبة تارة بإنهاك الجسد وتارة بإفساد المال ؛ فربّما

--> ( 1 ) هم الذين يعلمون الأولاد الصغار ، ويقومون بتحفيظهم القرآن الكريم . ( 2 ) المنجمون الذين يدعون معرفة الغيب بمقتضى النظر في النجوم .