أحمد بن علي القلقشندي

473

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأيّام طامعا ، فلذلك بادر منبره المنيف وحلّ له حقوته ( 1 ) مسارعا ؛ ووطَّأ - لامتطائه إيّاه - صهوته ، وغفر للدّهر بهذه الحسنة الجميلة فيما سلف منه هفوته ، وعلم أنّه الخطيب الذي استقرّ يطالع المنابر من خطبته بما يفجّر من العيون منابع المدامع ، ويشوّق إلى الآخرة من ألفاظ يشنّف بها المسامع ، وأنّ قسّا لا يقاس به في خطبه وعظاته ، وأنّ سحبان يودّ من خجله أن يسحب ذيله على مآثره المأثورة عنه ليعفّي آثار فلتات كلماته ولفتات لفظاته . فليباشر هذه الوظيفة المباركة باللَّه تعالى مذكَّرا ، ولما أمر عباده ونهاهم عنه على أسماعهم مكرّرا ، ويعلم أنّه في المحراب مناج لربه ، واقف بين يدي من يحول بين المرء وقلبه ؛ فليعتصم باللَّه عزّ وجلّ في قوله وفعله ، ويتيقّن أنّ الكلمة إذا خرجت من قلب لا تقع إلا في مثله . وفي إحاطة علمه المشهور ، وفضله المشهود المشكور ، ما يغني عن وصيّة بها يتذكَّر ، وتذكرة في صحيفة فكره ترقم وتسطَّر ؛ وليوصّل إليه معلومه على هذه الوظيفة الشاهد به الديوان المعمور ، وليوفّر خاطره من التّبذّل في تحصيل معلومه الجاري له وطلبه ، وليعامل بما يليق من الإجلال والإعظام بوظيفته الشّريفة والمحلّ العالي الرّفيع من منصبه ؛ والعلامة الكريمة أعلاه ، حجّة بمقتضاه ، إن شاء اللَّه تعالى . وهذه نسخ تواقيع لأرباب الوظائف الديوانية بطرابلس : نسخة توقيع بشهادة الجيوش بطرابلس ، كتب به للقاضي بدر الدين « محمد بن الفرفور » ، ووالده يومئذ ناظر الجيوش بها ، ب « المجلس العالي » ؛ وهي :

--> ( 1 ) الحقو والحقوة : الخصر . وتأتي بمعنى الإزار ، وهو المراد هنا . قال ابن برّي : الأصل في الحقو معقد الإزار ثم سمي الإزار حقوا لأنه يشدّ على الحقو . ( أنظر اللسان : 14 / 190 ) .