أحمد بن علي القلقشندي

424

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وليعتمد الزّهد في أموالهم وأمتعتهم ، حتّى يكون كلّ كبير وصغير ممتثلا لأمره ، واقفا عندما يقدّم به إليه في سرّه وجهره ، منتصبين لإقامة حرمته ، وتنفيذ أمره وكلمته ؛ وليحسن النظر فيمن عنده من الرّهبان ، وليرفق بذوي الحاجات والضّعفاء : من النّساء والصّبيان ، والأساقفة والمطارنة والقسّيسين زيادة للإحسان ، إحسانا جاريا في المساء والصّباح ، والغدوّ والرّواح . فليمتثلوا أمره بالطَّاعة والإذعان ، وليجيبوا نهيه من غير خلاف ولا توان ؛ ولا يمكَّن النّصارى في الكنائس من دقّ الناقوس ، ورفع أصواتهم بالضّجيج ولا سيما عند أوقات الأذان لإقامة النّاموس ، وليتقدّم إلى جميع النصارى بأنّ كلَّا منهم يلزم زيّه ، وما جاءت به الشروط العمريّة ( 1 ) لتكون أحوالهم في جميع البلاد مرعيّة ، وليخش عالم الخفيّات ، وليستعمل الأناة والصّبر في جميع الحالات ؛ والوصايا كثيرة وهو بها عارف ، واللَّه تعالى يلهمه الرّشد والمعارف . قلت : وهذا التوقيع فيه ألفاظ ومعان غير مستحسنة ، وألفاظ ومعان منكرة ، أفحشها قوله : مفصحا عما كمن في صدورهم . فإنّه لا يعلم ما تخفي الصدور وتكنّه إلَّا اللَّه تعالى . واعلم أنّه ربما افتتح توقيع البطريرك عندهم ب « - رسم بالأمر » . توقيع لبطرك النصارى بالشام أيضا ، كتب به للبطريرك « داود الخوري » ب « البطرك المحتشم » ؛ وهو : رسم بالأمر - لا زال يعزّ بالالتجاء إلى حرمه من يأوي إليه ، ويقصد عدله

--> ( 1 ) وهي الشروط الَّتي اشترطها عمر بن الخطاب على نصارى الشام ؛ وهي عبارة عن وثيقة كتبها عبد الرحمن بن غنم الأشعري ، على لسان نصارى الشام ، فأقرّها عمر بعد أن زاد فيها عبارة « ولا نضرب أحدا من المسلمين » . - أنظر نص الشروط والوثيقة في تفسير ابن كثير : 2 / 347 - 348 ومجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة : جمع وتحقيق محمد حميد اللَّه ، ص 756 .