أحمد بن علي القلقشندي
423
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان ، فصحّ النّقل بنبوّته وآدم في الماء والطَّين وأوضح ذلك البرهان ، وعلى آله وصحبه الذين سادوا بإخلاص الوحدانيّة ، وشادوا أركان الملة المحمّديّة ، وأعزّوا الإيمان وأذلَّوا الطَّغيان ، صلاة ينفح طيبها ، ويفصح خطيبها ، ويفرح بها الرحمن - فإنّ أولى من أقمناه بطريكا على طائفة النصارى الملكيّة ، على ما يقتضيه دين النصرانية والملَّة العيسويّة ، حاكما لهم في أمورهم ، مفصحا عما كمن في صدورهم - من هو أهل لهذه البطريكية ( 1 ) ، وعارف بالملَّة المسيحيّة ، أخذه لها ( 2 ) أهل طائفته ، لما يعلمون من خبرته ومعرفته ، وكفايته ودربته ، وندب إلى ولاية يستحقّها على أبناء جنسه ، ورغب في سلوكه لها مع إطابة نفسه ، مع ما له من معرفة سرت أخبارها ، وظهرت بين النّصارى آثارها ، وكان فلان - أدام اللَّه تعالى بهجته - هو من النصارى الملكيّة بالمعرفة مذكور ، وسيره بينهم مشكور ، القائم فيهم بالسّيرة الحسنة ، والسّالك في مذاهبهم سيرا تشكره عليها الألسنة . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال إحسانه العميم لكلّ طائفة شاملا ، وبرّه الجسيم لسائر الملك بالفضل متواصلا - أن يستقرّ بطركا على النصارى الملكيّة بالشام وأعماله ، على عادة من تقدّمه في ذلك ، وتقوية يده على أهل ملَّته ، من تقادم السنين بحكم رضاهم ، ومنع من يعارضه في ذلك : حملا على ما بيده من التوقيع الكريم المستمرّ حكمه إلى آخر وقت . فليباشر هذه البطركية مباشرة محمودة العواقب ، مشكورة لما تحلَّت به من جميل المناقب ، وليحكم بينهم بمقتضى مذهبه ، وليسر فيهم سيرا جميلا ليحصل لهم غاية قصده ومأربه ، ولينظر في أحوالهم بالرّحمة ، وليعمل في تعلَّقاتهم بصدق القصد والهمّة ، وليسلك الطريق الواضحة الجليّة ، وليتخلَّق بالأخلاق المرضيّة ، وليفصل بينهم بحكم مذهبه في موارثهم وأنكحتهم ،
--> ( 1 ) يقال : بطركية وبطريكية وبطريركية ، نسبة إلى بطرك وبطريك وبطريرك . ( 2 ) أي : اختاره لها .