أحمد بن علي القلقشندي
414
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فلذلك رسم بالأمر العالي - لا زال يرفع أهل العلم والعمل إلى أعلى مقام ، ويبني لهم في جنّات القرب قصور الرّضا : * ( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ) * ( 1 ) ومزيدهم الإكرام - أن تفوّض إليه مشيخة الشيوخ بالشام المحروس : وظيفته التي خرجت عنه ، المرسوم الآن إعادتها عليه ، عوضا عمّن كانت بيده ، بمعلومي النّظر والمشيخة الشاهد بهما ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت ، على أجمل العوائد ، وأكمل القواعد ، تفويضا نظمت بالقبول عقوده ، ودامت في دار السعادة سعوده ، وفي درج المعالي صعوده . فليتلقّ ذلك بالقبول ، وليبلَّغ الفقراء من إقباله الجمّ الَّذي ألجم عدوّه المنى والسّول ، وليعامل المريدين بالشّفقة المعروفة من رحمة دينه وإفضاله ، وليشمل كلَّا منهم بعنايته ولطفه فإنّ الخلق عيال اللَّه وأحبّهم إليه أشفقهم على عياله ، وليأمرهم بملازمة إقامة الصّلاة طرفي النهار وزلفا ( 2 ) من اللَّيل ، وإذا مالوا - والعياذ باللَّه تعالى - يوما إلى منافسة بينهم فليقل : اتّقوا اللَّه ما استطعتم وكونوا عباد اللَّه إخوانا ولا تميلوا كلّ الميل ، وليفسح لهم حرم الخير الَّذي وقفوا فيه تجاه قصر تعبّده الَّذي علا بالجوهر الفرد وقوّة الإخلاص ، وليدخلهم منه جنّة إقبال فوائده التي فيها من أبكار معانيه حور مقصورات في خيام أداته لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ وأعجز قصره العالي وجوهره الغالي كلّ بنّاء وغوّاص ، وليجعلهم له على جبل اعتماده ومروة مروءته إخوان الصّفا ، وليقمهم في ركن مقام المناجاة إذا زمزم مطرب حيّهم تلقاء أهل الوفا ، وليقدّم السابقين بمعرفة حقّهم ونجدتهم بالورع الَّذي يغلبون به الشيطان فإنّ حزب اللَّه هم الغالبون ، وليداو قلوبهم المرضى بشراب المحبّة وتركيب أدوية الامتلاء من الدنيا ليغتذوا وقت السّحر [ بحديث ] ( 3 ) ( هل من تائب ) ، ولا يسقهم كاسات تضعف عنها قوّتهم
--> ( 1 ) ق / 35 ؛ والآية بتمامها : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ . ( 2 ) مفردها زلفة وهي المدة من الليل مطلقا من وسطه أو آخره . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .