أحمد بن علي القلقشندي

410

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أما بعد ، فإنّ أولى المراتب الدينية بتقديم العناية ، وتفخيم الرعاية ، وتكريم التولية ولا سيما إذا كانت منتسبة إلى أهل الولاية - مرتبة مشيخة الشيوخ التي يجمع عباد اللَّه الصالحين نطاقها ، ويضمّهم رواقها ، وتطلعهم مطالع كواكب الهدى آفاقها المنيرة وأوفاقها . ولما خلت الآن هذه الرّتبة بالشام المحروس من شيخ تدور هذه الطائفة على قطبه ، وتجتمع على مائدة قرباته وقربه ، وتمشي على قدمه وتناجي صلاح أحوالها عن قلبه - تعيّن أن نختار لها من كملت باللَّه أداته ، وصفت في مشاهد الحقّ ذاته ، وزكت في علمي الإبانة والأمانة شهادته المفصحة ومشاهداته ، وأجمع الناس على فوائد تسليكه واسلاك قلمه حيث بدت في وجوه الحسن حسناته ، ووجوه الشام شاماته ، لما شهر من معرفته وعرفانه ، ولما دعي له ببقاء نوح لما فاض في العلم من طوفانه ، ولما قام في الأذهان من طبقة قدره الموصوف ، ولما سار من رسالة أخباره فإذا قالت الآثار : « هذا السّريّ » قال الإيثار : « وفضله معروف » . فليباشر هذه المشيخة المباركة بصدر للسّالكين ( 1 ) رحيب ، وبرّ للسائلين مجيب ، وفضل يقول الرائد والمريد بدار إقامته : قفا نبك من ذكرى منزل وحبيب ، وبشر وبشرى يملآن عين المجتلي ويد المجتدي ، وعطف ولطف إذا قال الذّاكر لمن مضى : راح مالكي ! قال المعاين : وجاء سيّدي ؛ وليراع أمور الخوانق الشاميّة ما غاب منها وما حضر ، وما سمع منها وما نظر ، وليهذب قلوب ساكنيها حتّى يعود كإخوان الصّفاء من المودّة قوم كانوا إخوان الصّفا من الحجر ، قائما بحقوق الرّتبة قيام مثله من أئمّة العلم والعمل ، داعيا لهذه الدّولة العادلة فإنّه أقصى دواعي الأمل ، معربا - لأنّ العربيّة من علومه - عن الإيضاح غنيّا عن تفصيل الجمل ؛ وهو المسلَّك ( 2 ) فما يحتاج لتسليك درر الوصايا ، المخبوء لمثل

--> ( 1 ) السالكون هم المتصوّفة . ( 2 ) اسم فاعل من تسليك الطريق ، وهو تعريفها ؛ والمراد تعريف المريدين الطريق إلى اللَّه تعالى وإدخالهم فيها . والمسلَّك من ألقاب الصوفية ؛ وكان يستعمل أحيانا مضافا إلى ياء النسب . ( الألقاب الإسلامية : 470 ) .