أحمد بن علي القلقشندي
391
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولي وظيفة كفاها ، وإذا وعدها بصلاح التّدبير وفاه وفاها ، وإذا وصل نسبها بنسبه كان من إخوان صفائها لا من إخوان صفاها ، والخبير الَّذي استوضح بيمن الرّأي مذاهبه ومسالكه ، والعالم الَّذي إذا مشّى الأمور بسط جناح الرّفق وإذا مشى بسطت له أجنحتها الملائكة ، والجليل الَّذي إذا نظر ذهنه في المشكلات دقّق ، والكاتب الَّذي تعينت أقلام علمه وكفاءته إلَّا أنّ كلَّها في الفصل محقّق ؛ هذا وخطَّ عذاره ما كتب في الخدّ حواشيه ، وليل صباه ما اكتمل ، فكيف إذا أطلعت كواكب المشيب دياجيه ؛ وكيف لا ؟ وأبوه - أعلى اللَّه تعالى جدّه - صاحب المجد الأثيل ، والفضل الأصيل ، ووكيل السلطنة الَّذي إذا تأمّلت محاسنه قالت : حسبنا اللَّه ونعم الوكيل . فليباشر هذه الوظيفة برأي يسهّل - بمشيئة اللَّه - عسيرها ، ويفكّ - بعون اللَّه - أسيرها ، واجتهاد سنيّ يحسن قلمه في الأمور مسرى ، واعتماد سريّ لا يرى ديوان أسرى منه أسرى ، مشبها أباه في عدله ومن أشبه أباه فما ظلم ، وتوقّد رأيه لدى طود حلم وعلم « فيالك من نار على علم ! » ، حتّى يأمن ديوان مباشرته من ظلم الظالم ، ويشعل ذكاءه حتّى يقال : عجبا للمشعل نارا وهو سالم ! ، ويثمّر مال الجهة بتدبيره ، ويشرك لفظ إطلاق الديوان في ماله وأسيره ، وتنتقل الأسرى من ركوب الأداهم إلى ركوب الشّهب والحمر من دراهمه ودنانيره ، ويحمد على الإطلاق ، وينفق خشية الإمساك إذا أمسك [ غيره ] ( 1 ) خشية الإنفاق ، ويمشي بتقوى اللَّه - عزّ وجلّ - في الطَّريق اللَّاحب ( 2 ) ، وينسب إلى ديوانه وقومه فيقال : صاحب طالما انتسب من سلفه لصاحب ؛ واللَّه تعالى ينجح لكواكب رأيه مسيرا ، ويجبر به من ضعف الحال كسيرا ، ويكافيء سادات بيته الذين * ( يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّه مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً ) * ( 3 )
--> ( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) أي الطريق الواضح . ( 3 ) الإنسان / 8 . ولفظ الآية : « ويطعمون الخ » .