أحمد بن علي القلقشندي

39

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أحكام المذاهب من حفظه ، وصدّر المسائل بأقواله ، وأعدّ لكلّ سؤال وارد حجّة من بحثه وبرهانا من جداله ؛ فله في العلم المرتقى الَّذي لا يدرك ، والمنتهى الَّذي لا ينازع في تفرّده ولا يشرك ، والغاية الَّتي أحرزها دون غيره فلولا المشقة لم تترك ، وهو الَّذي ما زال بهذه الرتبة مليّا ، وبما عدق بذمّته من أحكامها وفيّا ، وبكلّ ما يرضي الخليقة عنه من أحوالها قائما وكان عند ربّه مرضيّا ، وبأعبائها مستقلَّا من حين منحه اللَّه العلم ناشئا وآتاه الحكم صبيّا . وما برح تدعوه التّقوى فيجيبها ، ويترك ما لا يريب نفسه تنزيها عمّا يريبها ؛ فكم فجّر بالبلاد الشّاميّة من علمه عيونا ، وغرس بها من أفنان فضله فنونا ، وكان لها خير جار ترك لها ما سواها ، وأكرم نزيل نوى بالوصول إليها مصلحة دينه فلم يضيّع اللَّه له نيّته الَّتي نواها ، وألف قواعد أهلها وعوائدهم ، وعرف بحسن اطلاعه ما جبل اللَّه عليه غائبهم وشاهدهم ، وعدوه من النّعم المقبلة عليهم ، واقتدوا في محبّته بالذين تبوّأوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ؛ ثم قدم إلى الدّيار المصرية وما كان قدومه إلا علينا ، ووفد إليها بحسن مودّته ومحبته اللَّتين ما وفد بهما إلا إلينا ، فرأينا منه إماما لا يحكم في توليته الحكم بالهوى ، ولا ينوى في تقليده القضاء غير مصلحة المسلمين « ولكلّ أمري ما نوى » ؛ وهو - بحمد اللَّه - لم يزل بقواعد هذا المنصب خبيرا ، وبعوائد هذه الرتبة بصيرا ، وبإجرائها على أكمل السّنن وأوضح السّنن جديرا ، وبإمضاء حكم اللَّه الَّذي يحقّق إيجاد الحقّ فيه للأمة أنّه من عند اللَّه * ( ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً ) * ( 1 ) ، مع ما تكمّلت به فضائله من الوقوف مع الحقّ المبين ، والتّحلَّي بالورع المتين ، والتّخلَّي للعبادة الَّتي أصبح من اتصف بها مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين . فلذلك رسم بالأمر الشريف الأشرفيّ النّاصريّ - لا زال علم العلم في

--> ( 1 ) النساء / 82 .