أحمد بن علي القلقشندي
389
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المتظافر ، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد الَّذي أضاء برسالته الوجود ، وخصّه اللَّه تعالى بالصّفات الفائقة والمآثر الحسنة والجود ، وعلى آله وصحبه الذين حرسوا الملَّة الحنيفيّة من جهادهم بأمنع سور ، وأوهنوا جانب الكفر وأنقذوا الأسير وجبروا المكسور ، صلاة دائمة مدى الأيّام والشّهور ، معلية للأولياء علم النّصر المنشور - فإنّ أولى من عدقنا به المناصب السّنيّة ، وفوّضنا إليه جليل الوظائف الدّينيّة ، ونطنا به فكّ رقبة المسلم من أسره ، وخلاصه من عدوّه الَّذي لا يرثي لمسكنته ولا يرقّ لكسره ، وأجرينا قلمه ببذل الفداء ، وجعلنا مداده درياقا ( 1 ) لمرض الأسر الَّذي يعدل ألف داء ، وأقمناه للعاني من شرك الشّرك منقذا ، وللدافع في بيداء العدا بحسن إعانته منجدا ، وللأسوار الممنّعة بجميل نظره متفقّدا - من أضحى فضله ظاهرا ، وجلاله باهرا ، وخلاله موصوفة بالمحاسن أوّلا وآخرا . وكان فلان هو الَّذي بهرت مآثره الأبصار وملأت الأسماع ، وانعقدت على تفرّده في عصره بالمفاخر كلمة الإجماع ، وسارت الرّكبان بذكره الَّذي طاب وجوده الَّذي شاع ، وصفت سريرته ، فأضحى جميل الإعلان ، وحمدت سفارته ، فكانت عاقبة كلّ صعب ببركتها أن لان . فلذلك رسم بالأمر العاليّ - لا زال يولي جميلا ، ويولَّي في الوظائف جليلا - أن يستقرّ المشار إليه في وظيفتي نظر الأسرى والأسوار بدمشق المحروسة ، على أجمل عادة ، وأكمل قاعدة ، بالمعلوم الشاهد به ديوان الوقف المبرور إلى آخر وقت : وضعا للشيء في محله ، وتفويضا لجميل النّظر إلى أهله . فليباشر ذلك مباشرة تسرّ النفوس ، وتزيد بها الغلال وتزكو بها الغروس ، وليجر أحوال الوقف المبرور على مقتضى شرط الواقف والشّرع الشريف ،
--> ( 1 ) الدرياق والترياق : ما يمنع امتصاص السمّ من المعدة أو الأمعاء .