أحمد بن علي القلقشندي
387
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
عاين « البصريّ » فرائد نحرها لقال : كلّ هذه درّة الغوّاص ، والعزائم الَّتي رامت المناصب فما قبلت من خزانتها سوى الرّفيع وما رضيت من ديوانها سوى الخاص ؛ كم نبّهت منه المقاصد « عمر » ( 1 ) ثم نامت ! ، وكم أجلسته كواكب اليمن في صدر محفل ثم قامت ! ، كم حوى من الحمد سنيّا ! ، وملأ الرّباع خيرا وفيّا ! ، وقيض اللَّه للفقراء والأيتام حنانا من لدنه وزكاة وكان تقيّا . فلذلك رسم بالأمر الشرّيف - لا برح صالح الدّهر كالزّهر ، مالك نفوس الأولياء والأعداء : هاتيك بالإنعام وهاتيك بالقهر - أن يفوّض إليه نظر الخزانة العالية مضافا إلى ما بيده من نظر الخاصّ الشريف : لأنّ مثله لا يصرف عن وظيفة بسناه تعترف ، ومن نداه تغترف ، وأنّ اجتماع العدل والمعرفة قاض بأنّ « عمر » لا ينصرف ، وأنّ الخاصّ لخاصّ الأولياء أمسّ مكانة ، وأنّ الخزانة أنسب بمن عرف بالصّيانة ، وأنّ خزائن الأرض ، وهي مصر لو نطق نظيرها لقال : ليس لي مثل هذه الخزانة ، وأنّ عين الأعيان أولى بالنّظر ، وأنّ الأنظار لا بل الصّحابة أحقّ ب « عمر » ؛ لما علم من سيرته النّقيّة ، وسريرته التقيّة ، وصفاته الَّتي يمتدّ فيها نفس القول حتّى ينقطع وفي الأوصاف بعد بقيّة وبقيّة . فليباشر ما فوّض إليه من أعلى المراتب المنجبات ، والوظائف المعجبات المعشبات ، والجهات الَّتي ما لها كبيته الطَّيّبي : والطَّيّبون للطَّيّبات ، مستجدّا من نظر هذه الخزانة ثوب سعده الجديد ، معملا في مصارف الذّهب والفضّة بصر آرائه الحديد ، منبّها لها عزمه العمريّ ونعم من ينبّه ، مشبها في الكفاءة أباه المرحوم وما ظلم من أشبه ، مقرّرا من أحوالها أحسن مقرّر ، محرّرا من أمورها أولى ما اعتمد والخزانة أولى بالمحرّر ، حافظا لمالها بقلم التّحصيل حتّى ينفّذ قلم الإطلاق ، صائنا لوفرها حتّى ينفقه الكرم خشية الإمساك بعدما أمسكه الصّون خشية الإنفاق ، مستدعيا من أصنافها كلّ ما تنوّع وتصنّف ، وتوشّع
--> ( 1 ) انظر ص 376 ، هامش ( 1 ) .