أحمد بن علي القلقشندي
379
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يفرّق بين الماء واللَّبن ، حاثّا على بيع المآكل بخبرة من ملإ بصره ، حريصا على أن لا ينشد لسان الدّاخل فيه « ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره » ، دافعا ضرر المجتري البائع عن المشتري المسكين : ذكيّا فيما يذكَّي فيذبح بسكَّين ويذبح متناولة بغير سكَّين ، قاضيا بالحقّ في كلّ ما يشترى ويباع ، متكلَّما في أنواع الملابس وغيرها بالباع والذّراع ، وازنا بالعدل في كلّ موزون ومكيول ، رادعا لكلّ عمّال مداهن في كلّ مدهون ومعمول ، حاملا على الحال المستقيم كلّ حيّ لديه وكلّ من هو على آلة حدباء محمول ؛ ومن زاد في الإضرار فليمنع زائده ، ومن زاد في الاشتطاط وتجبير الشراء فليقطع بالنّكال زائده ، ومن دنّس في الأشربة فلا يلبث أن يغلَّظ التّأديب وأن يريقه ، ومن سقى الضّعفاء منها كما يقال : سقية فليسقه من السّوط ما يكاد ينثر جسمه على الحقيقة ، ومن عانى صناعة ليس له فيها يد فليلزمه بما بسط في إفساده اليدين ، ومن حكم في صناعة الطَّبّ بما لم يسغ في المسائل فليصرفه منها بخفيّ حنين ، ومن تمرّد في معاملته فليردّه بالقهر إلى صالح مردّه ، ومن عدا وعتا فليعامله بما يخرجه من التّرح لا من الفرح من جلده ، مقداما في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ولا جزع ، مستعينا بالديوان فيما أهمّ : فإنّ اللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع ، مجتهدا فيما يزيد تقدّم سعيه المشكور ، وصنعه المبرور ، منيرا لآفاق منصبه وكيف لا وهو الشّهاب بن أبي النّور ؟ ؛ وتقوى اللَّه تعالى هي السبيل الأقوم فليكن لها منهاجا ، وليواظب على طريقة الحقّ : فكم شرّ عنها حاد وكم خير منها جا ( 1 ) ! . توقيع بنظر السبيل بدرب الحجاز ، بالركب الشاميّ ، من إنشاء ابن نباتة ، كتب به للقاضي « قطب الدين السبكي » ؛ وهو : رسم بالأمر - لا زال يقرّ بالوظائف الدّينية من يحبّها وتحبّه ، ومن يتوارد
--> ( 1 ) أي جاء .