أحمد بن علي القلقشندي

376

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ونقل لا عقلت ألسنتها بعد مستحقّيها ولا انتقلت - من أضاءت مشكاتها النّوريّة بمصابيح كلمه ، وفتّحت كمائمها النّوريّة عن زهرات الهدى بقطرات قلمه ، وتذكرت بأوقاته الأخيرة عهود أهلها من هداة الاسلام وأوقات ذي سلمه . ولمّا كان فلان هو المقصود بخلاصة هذا المعنى ، والممدود إليه نظر هذا الوصف الأسنى ، والعالم الَّذي تشبث بأسباب محاسنه بلد « الهرمين » ، والسابق وإن خلا وقته الطاهر خلف وقت « إمام الحرمين » ؛ كم اجتنى ثمر الفوائد من أصل وفرع ! ، وكم بات قلمه من ورق فتاويه وإسكات مناويه بين وصل وقطع ! ؛ كم صدق برق بديهته الأفكار حين شامت ! ، وكم نبّهت عند ليالي المشكلات « عمر » ( 1 ) ثم نامت ! ، وكم تهادت نظره كتب العلم حتّى قال « كتاب الأمّ » ( 2 ) : نعم الولد النّجيب ، وقال « كتاب الروضة » : نعم أخو الغائث الصّائب على رياض القول المصيب ، وقال « الشامل » من فضله : هذا لطلبته « نهاية المطلب » ، وقال « التنبيه » على محاسنه : ليت « النّابغة » رآه فدرى أيّ الرّجال « المهذّب » ( 3 ) ، وكانت المدرسة الشّهيدية النّوريّة بحمص المحروسة قد شهدت مع من شهد بفضله ، وسعدت بنبله ، ووسمت بعلم علمه ، وسمت سموّ الشهباء : هذه بمقرّ تدريسه وهذه بمجلس حكمه ؛ ثم زار دمشق زورة

--> ( 1 ) الإشارة إلى شعر لبشّار يمدح فيه عمر بن العلاء ، أحد عمال المهدي ، وكان على طبرستان : إذا أيقظتك حروب العدا فنبّه لها عمرا ثم نم فتى لا ينام على غرة ولا يشرب الماء إلا بدم ( الأعلام : 5 / 55 ) . ( 2 ) « كتاب الأم » للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 ه ؛ « وكتاب الروضة » في الأصول للشيخ موفّق الدين الحنبلي المتوفى سنة 620 ه ؛ و « الشامل » في أصول الدين و « نهاية المطلب في دراية المذهب » لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني المتوفى سنة 478 ه ؛ « والتنبيه » في فروع الشافعية للشيرازي المتوفى سنة 476 ه ؛ - أنظر كشف الظنون . ( 3 ) من قول النابغة : ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث أيّ الرجال المهذّب ( جمهرة الأمثال : 1 / 188 والميداني : 1 / 23 ) .