أحمد بن علي القلقشندي
346
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ب « المقرّ الكريم » ؛ وهي : الحمد للَّه الَّذي جعل تقيّ الدّين عليّا ، وأوجده فردا في هذا الملإ فكان بكلّ علم مليّا ، وأظهر فضله الجليل فكان كالصّباح جليّا . نحمده على نعمه الَّتي تكاثرت فأخجلت الغمائم ، وتوفّرت الألسنة على حمده فتعلَّمت أسجاعها الحمائم ، وتأثّرت بموافقها الأحوال فأخملت زهر الخمائل في الكمائم ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة لا شبهة تعكَّر ما صفا من لجّتها ، ولا ريبة توعّر ما تسهل من محجّتها ، ولا ظلمة باطل تكدّر ما أنار من حجتها . ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الَّذي جمعت فيه مكارم الأخلاق ، وتفرّد بمزايا منها أنّه حبيب الخلَّاق ، وشارك الأنبياء في معجزاتهم وزاد عليهم بما أتيح له من خمس لم يعطهنّ غيره منهم على الإطلاق ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الَّذي تفقّهوا في الدّين ، وحازوا الأجور لمّا جروا إلى جزّ الغلاصم من الملحدين ، وأنزلوا لمّا نازلوا أبطال الباطل والمعتلين من المعتدين ، صلاة يفوح نسيم ريّاها المتأرّج ، ويلوح وسيم محيّاها المتضرّج ، ما فرّج العلماء مضايق الجدال في الدّروس ، وقبلت ثغور الأقلام وجنات الطَّروس ، وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين . وبعد ، فإنّ المدارس - عمرها اللَّه تعالى بالعلماء - لواقفيها شروط ، ولأهلها همم أنزلها بالنجوم منوط ؛ يغوصون بحور البحوث في طلب اللَّآلي ، ويقطعون ظلل الظَّلام بالسّهر في حبّ المعالي ؛ سيّما المدرسة المسروريّة : فإنّ واقفها - أثابه اللَّه تعالى - شرط في المدرّس بها شروطا قلّ من يقلَّها ، أو يتحلَّى بعقودها أو يحلَّها ؛ وكان مفرقها قد تحلَّى بتاج تجوهر ، ومغلقها قد ضمّ منه فاضلا تمهّدت به قواعد المذهب لمّا تمهّر ، فأعرض عنها ، ونفض يده منها ،