أحمد بن علي القلقشندي
330
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فليقم في وظيفته على قدم اجتهاده ، وكرم ارتياده واعتياده ، شافيا لأحوال أهل ناحيته من الوصب ( 1 ) ، مثمّرا الغلال والأموال بعزم قد ارتفع وانتصب ، ظاهرا في الخدمة مجهوده ، مليّنا لحديد من عصى عليه في عمله كما أورثه داوده ؛ واللَّه تعالى يوفّقه . وهذه نسخة توقيع بولاية صيدا ، لمن لقبه « شجاع الدين » ب « المجلس العالي » ؛ وهي : رسم بالأمر العالي - أنفذه اللَّه في الأقطار ، ونجّم بولاته أيّام الأوطان والأوطار ، وأجرى بشكره سفن الركائب وركائب السّفن إذا سفّ وإذا طار - أن يستقرّ فلان . . . ركونا إلى عزمه وحزمه ، وسكونا إلى اهتمامه الَّذي حكم فيه الاختبار بعلمه ، وعلما أنّ للولايات به الانتفاع ، ولحصونها الامتناع والارتفاع ، وأنّه إذا ولي رعى وإذا أقوى ( 2 ) كان أعصم راع ، وإذا فكَّر في الرأي ووقب ( 3 ) في المهمّ كان نعم الشّجاع . فليباشر ولاية عمله ناهضا بأعبائه ، رافعا بالعدل لأرجائه ورجائه ، حريصا على طيب الأخبار المنتشرة من كافور صبحه ومسك مسائه ، وليتفقّد أحوال برّه وبحره ، ويتيقّظ لذلك البرّ وجهره ، وذلك البحر وسرّه ، حتّى يتحدّث البحر عن عزمه ولا حرج ، ويسير ذكره كنسيم الرّوض لا ضائع الصّنع ولكن ضائع الأرج ، ويعتمد مصالح النواحي وسكَّانها ، والأموال وديوانها ، والجهات وضمّانها ، ونجوم التقسيطات في البلدة وتحرير ميزانها ، ويجمع بين اللَّين والشّدّة بسياسة لا يخرج بها الرّأي عن إبانها ، وتقوى اللَّه تعالى هي العمدة فعليها يعتمد ،
--> ( 1 ) الوصب : الوجع والمرض ؛ والتعب . الجمع : أوصاب . ( 2 ) أقوى : نزل بالقفر . ( 3 ) وقب : دخل .