أحمد بن علي القلقشندي

303

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قدحت ، المغيرات على السّرى صبحا ما دار عليها شفق العشيّ فاغتبقت ( 1 ) ، حتّى دار عليها شفق الفجر فاصطبحت . ومراكز الطَّرق الَّتي حمتها مهابته فكأنّها مراكز الأسل ، ومراكض السّبل ، كلّ واد منها وما حمل وكل حدب وما نسل ؛ واعتمادا على سداد عزمه الَّذي وافق خبره الخبر ، ورشاد سعيه الَّذي كلّ أوقاته من وجوه الإجادة ووجوه الجياد غرر ، وركونا إلى أنّه الكافي فيما يعتمده ويراه ، السّاري في المهمّات لا يملّ وهيهات أن يمل البدر من سراه ؛ كم أعان الإسلام على ما اتّخذه من قوّة ومن رباط الخيل ، وكم جاد على الجياد على الغيث ( 2 ) حتّى سارت بين يديه كالسّيل ، وكم حفظ عليها قوتها وقوّتها فبعد ما كانت تموت بالعدد صارت تعيش بالكيل . فليباشر ما عوّل فيه عليه ، وأعيد من حقّه وإن كان خرج عنه إليه ، وليطلق يد أمره ونهيه بما يسرّه أن يقدّمه بين يديه ، حريصا على أن تنطق هذه الدّوابّ الخرس غدا بثنائه ، مجريا لقوائمها وللإقامة بها على عادة إجرائه ، متخيرا لها كلّ حسن الإمرة والسّياسة عند رحيلها وقدومها ، ومن إذا عرضت عليه بالعشيّ الصّافنات الجياد طفق مسحا ولكن بإماطة الأذى عن جسومها ، موسّعا عليها من المباني والأحوال كلّ مضيق ، آمرا بما يحتاج إليه نوعها البديع من صناعتي ترشيح وتطبيق ، مستأمنا من الأيدي من يردّ عنها الأيادي الضّائمة ، ومن يساوي بينها في الأقوات حتّى لا تكون كما قال الأوّل : « خيل صيام وخيل غير صائمة » ، متحرّيا في تكفيتها أجمل الطَّرق والطَّرائق ، مستجلبا صنوف العليق فلا تنقطع من برّه العلائق ؛ واللَّه تعالى يمدّه بعونه ورشده ، ويجعل عزمه سابقا إلى التوفيق « سبق الجواد إذا استولى على أمده » ، بمنّه وكرمه .

--> ( 1 ) اغتبقت : شربت بالعشيّ . وغبق الماشية : سقاها أو حلبها بالعشيّ . والاصطباح : شرب الصباح . ( 2 ) في هامش الطبعة الأميرية : « لعلّ هذا اللفظ زائد من قلم الناسخ » .