أحمد بن علي القلقشندي

298

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إلا اللَّه وحده لا شريك له الَّذي خلق العباد لعبادته ، وفضّل بعض المساجد على بعض لما سبق في علمه من إرادته ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا خير الخلائق عبده ورسوله الَّذي سنّ الجمعة والجماعة ، وعمر المساجد بالرّكوع والسّجود إلى قيام السّاعة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين اتّبعوه في قيام الليل إلَّا قليلا ، ولازموا المساجد بكرة وأصيلا ، وحضّوا على الجماعة إلى يوم تكون الجبال فيه كثيبا مهيلا ( 1 ) ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فلمّا كان جامع دمشق المحروسة رابع المساجد ، وموطن كلّ راكع وساجد ، وتقصده الأمم من الأقطار ، ولم يخل من العبادة في اللَّيل والنهار ، ورواتب حكَّام الشريعة عليه ، والعلماء الأعلام تبثّ فيه العلوم وتأوي إليه ، وغالب المساجد إلى سماط وقفه مضافة ، وخطابته تضاهي مرتبة الخلافة ؛ وهو أجلّ عجائب الدّنيا التي وضعت على غير مثال ، وبه يفتخر أهل الهدى على أهل الضّلال - تعيّن أن يكون الناظر في أمره من عظم قدرا ، وطاب ذكرا ، وفتح لوقفه باب الزّيادة على مضيّ الساعات ، وجمع أمواله بعد الشّتات ، ووصل الحقوق لأربابها الذين كأنّهم جراد منتشر ، ولم يضع من ماله مثقال حبّة ومن قال : إنّه صدقة فيومه يوم عسر ، وعمّ جميع المساجد المضافة إليه بالفرش والتّنوير ، وبدّأ الأئمّة والمؤذّنين والخدمة بعد العمارة على الكبير والصّغير . وكان الجناب الكريم - ضاعف اللَّه تعالى نعمته - هو الَّذي يقوم في هذا الأمر أحسن مقام ، ويصلح له في مصلحته الكلام . رسم بالأمر العاليّ ، المولويّ ، السّلطانيّ ، الملكيّ ، الظَّاهريّ ، السّيفيّ - لا زال هذا الدّين القيّم قائما بمحمّده ، والمساجد المعمورة [ معمورة ] ( 2 ) بإكرام مسجده - أن يستقرّ الجناب الناصريّ المشار إليه في النّظر

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة المزمل / 14 : وكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق .