أحمد بن علي القلقشندي
296
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اللَّه وحده لا شريك له شهادة يبلغ قائلها ببركتها المنى والمآرب ، وتهون عليه كلّ المصاعب ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الَّذي أظهر اللَّه ببعثته الحقّ في المشارق والمغارب ، وأنار به ظلم الغياهب ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين شيّدوا منار الإسلام وأقاموه بالسيوف القواضب ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ المناصب بمتولَّيها ، والمعالي بمعلَّيها ، والعقود ليست بمن تحلَّيه بل بمن يحلَّيها ، وأطيب البقاع جنابا ما طاب أرجا وثمارا ، وفجّر خلاله كلّ نهر « يروع حصاه حالية العذارى » ، ورنّحت معاطف غصونه سلاف النّسيم فتراها سكارى ، وتمتدّ ظلال الغصون فيخال أنّها على وجنات الأنهار عذارا . ولمّا كانت دمشق المحروسة لها هذه الصفات ، وعلى ضفّاتها تهبّ نسمات هذه السّمات ، لم يتّصف غيرها بهذه الصفة ، [ ولا اتفق أولو الألباب إلا على محاسنها المختلفة ] ( 1 ) وكان الجناب الكريم هو من أعيان الدّولة وأماثلهم ، ووجوه رؤسائهم وأفاضلهم ، وله في طاعتنا استرسال الأمن من سوء مواطن المخاوف ، ووصل في ولائها القديم بالحديث والتّالد بالطَّارف ، وتولَّى مهمّات الخدم فأبان في جميعها عن مضاء عزمه ، وكان من حسن آثاره فيها ما شهر غفلها بوسمه ؛ فمن ناواه من أقرانه أربى عليه وزاد ، ومن باراه من أنظاره أنسى ذكره أو كاد . فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يستقرّ في ولاية مدينة دمشق المحروسة . فليباشر هذه الولاية ، عاملا بتقوى اللَّه تعالى التي أمر بها في محكم الكتاب ، حيث يقول : * ( وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الأَلْبابِ ) * ( 2 ) ، وليشمل كافّة الرّعايا بالحفظ والرّعاية ، ويجزل حظَّهم من
--> ( 1 ) الزيادة مما تقدم في الصنف الثالث في تواقيع أرباب الوظائف في حاضرة دمشق . ( 2 ) البقرة / 197 .